حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
386
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
النبي أعظم من ثواب غيره ، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده ، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه . ثم إنه يتضمن إقامة المناسك ، وقد امتحن اللّه الخليل بالشيطان في الموقف كرمي الجمار وغيره . وأما الاشتغال بالدعاء ببعث نبي آخر الزمان فيحتاج فيه إلى الإخلاص وإزالة الحسد عن القلب وذلك في غاية الصعوبة . واعترض على هذا القول بأن المراد من الكلمات لو كانت هذه لناسب أن يذكر قوله فَأَتَمَّهُنَّ بعد تعداد الجميع . وأجيب بأنه أخبر أنه ابتلاه بكلمات على الإجمال ثم أخبر أنه أتمها ثم فصل تلك الأمور ، وهذا ترتيب في غاية الحسن ، إذ لو ذكر فَأَتَمَّهُنَّ بعد هذا التفصيل لوقع ضائعا ولا نقطع النظم . والقائلون بأن ظاهر الآية لا دلالة فيه على الكلمات زعم بعضهم أنها الكلمات التي تكلم بها إبراهيم مع قومه وقت تبليغ الرسالة ، وزعم بعضهم أنها أوامر ونواه . فعن ابن عباس هي عشر خصال كانت فريضة في شرعه وهي عندنا سنة : خمس في الرأس : المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقص الشارب والسواك ، وخمس في الجسد : الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء . وقيل : ابتلاه اللّه تعالى من شرائع الإسلام بثلاثين سهما ، عشرة في براءة التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ [ التوبة : 112 ] الآية وعشرة في الأحزاب إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [ الأحزاب : 35 ] وعشرة في « المؤمنين » « وسأل سائل » إلى قوله وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ [ المعارج : 34 ] وقيل : هن مناسك الحج كالطواف والسعي والرمي والإحرام والوقوف بعرفة . وقيل : ابتلاه بسبعة أشياء : بالكواكب والقمر والشمس والختان على الكبر والنار وذبح الولد والهجرة ، فوفى بالكل وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النجم : 34 ] وقيل : ما ذكره في قوله إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ البقرة : 131 ] وقيل : المناظرات التي جرت بينه وبين أبيه ونمروذ وقومه ، والصلاة والزكاة والصوم ، وقسم الغنائم والضيافة والصبر عليها . وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة ، واللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء وكلا منها إلا أن الكلام في الرواية ، ثم قيل : إن هذا الابتلاء كان قبل النبوة لأنه تعالى نبه على أن قيامه بهن كالسبب لأن جعله إماما . وقيل : إنه بعد النبوة لأنه لم يعلم كونه مكلفا بتلك التكاليف إلا من الوحي . والحق أن هذا يختلف باختلاف تفسير التكاليف ، فمنها ما يعلم بالضرورة كونها قبل النبوة كحديث الكوكب والشمس والقمر ، ومنها ما ثبت أنه كان بعد النبوة كذبح الولد والهجرة والنار ، وكذا الختان فإنه يروى أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين ، ومنها ما هو بصدد الاحتمال فقد يمكن أن يكون إلى معرفته سبيل سوى الوحي كمنام أو إلهام . والضمير في « أتمهن » على القراءة المشهورة لإبراهيم عليه السلام بمعنى