حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

356

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

آخر الشهر » فإن « إلى » أوجبت مخالفة حكم ما بعدها لما قبلها إلا أنها لا تسمى نسخا لأنه ليس متأخرا ، ويمكن أن يقال : إن قيد متأخر إنما ينبغي أن يذكر لأن دليل النسخ لا يكون إلا كذلك . ونحو « صم إلى كذا » وأمثاله من أنواع التخصيص متصلا كان أو منفصلا ، إنما خرج بقيد الرفع لأن رفع الحكم إنما يكون بعد إرادة حصوله على المكلف ، والتخصيص ليس كذلك لأن صورة التخصيص غير مرادة من اللفظ بل التخصيص مبين لمراد الشارع من العام . ونعني بالحكم هاهنا ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن ، فإن الوجوب المشروط بالعقل الذي هو مناط التكليف لم يكن حاصلا عند انتفاء العقل والموقوف على الحادث حادث . وإذا كان المراد بالحكم هذا فلا يرد قول المعتزلة الحكم عندكم قديم فكيف يرتفع ؟ وذلك أنا عنينا بالحكم تعلق الخطاب بعد ما لم يتعلق وهذا محدث يرتفع . وأيضا نقطع بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب الثابت أولا وهو المعنى بالرفع ، ويحسن أيضا أن يقال : النسخ بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ ، فيخرج بقولنا « شرعي » بيان انتهاء حكم عقلي كالبراءة الأصلية ، و « بطريق شرعي » يخرج به بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق عقلي كانتساخ القيام عمن ينكسر رجله . وقولنا « متراخ » ليخرج التخصيص بالغاية . ومن هذا يعلم تعريف الناسخ والمنسوخ ، ومعنى بيان انتهاء الحكم أن الخطاب السابق له غاية في علم اللّه تعالى ، فإذا انتهى إلى تلك الغاية زال بذاته ، ثم ورد الخطاب اللاحق بيانا لذلك . المسألة الثانية : انعقد الإجماع من أكثر أرباب الشرائع ومن المسلمين خاصة على جواز النسخ عقلا وعلى الوقوع شرعا ، وخالف اليهود في الجواز ، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين في الوقوع لا الجواز . لنا القطع بالجواز ضرورة فإن له تعالى أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير النظر إلى حكمة ومصلحة ، وإن اعتبرت المصالح فالقطع أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات فهذا ما يدل على جواز النسخ . وفي التوراة أنه أمر آدم بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك في شريعة من بعده باتفاق ، وهذا ما يدل على وقوعه ، وكيف لا وقد ثبت بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة نبوته محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وبصحة نبوته يلزم نسخ شرع من قبله . ولم يكن لليهود والنصارى نص صريح يعلم منه أمد شرعهم على التعيين حتى يلزم أن يكون شرع نبينا انتهاء غاية لا نسخا . حجة اليهود لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر « هذه شريعة مؤبدة عليكم بها ما دامت السماوات والأرض » وأيضا إن كان نسخ الحكم الشرعي لحكمة ظهرت له تعالى لم تكن ظاهرة فهو البداء وإلا فعبث وكلاهما محال على اللّه تعالى ، إذ البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء والعبث فعل لا