حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
354
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [ الأحزاب : 47 ] ، ولا سيما فإن المؤمن اسم من أسمائه العظام ، ففيه دليل على أنه تعالى يقرّبهم منه في دار السلام . وقيل : آمنوا على الغيبة نظرا إلى المظهر وهو « الذين » ولو قيل آمنتم نظرا إلى النداء جاز من حيث العربية ، ثم إنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع اللّه من إحداهما ويأذن في الأخرى ومن هنا قال الشافعي : لا تصح الصلاة بترجمة الفاتحة عربية كانت أو فارسية . فلا يبعد أن يمنع اللّه من قول راعِنا ويأذن في قول انْظُرْنا وإن كانا مترادفين . ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قول راعِنا لاشتماله على مفسدة . ثم ذكروا وجوها منها : أن المسلمين كانوا يقولون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا ألقي عليهم شيئا من العلم راعنا يا رسول اللّه ، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي « راعينا » ومعناها « اسمع لا سمعت » كما صرح بذلك في سورة النساء وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا [ النساء : 46 ] فإن الجميع كأنها متقاربة فلما سمعوا المسلمين يقولون « راعنا » افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون المسبة ، فنهى المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي انْظُرْنا . روي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال : يا أعداء اللّه عليكم لعنة اللّه ، والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأضربن عنقه ، فقالوا : أو لستم تقولونها ؟ فنزلت ، ومنها قال قطرب : هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند الهزء والسخرية فلا جرم نهى اللّه عنها ، وقيل : إن اليهود كانوا يقولون « راعينا » أي أنت راعي غنمنا فنهاهم عنه . وقيل : إن هذه اللفظة لكونها من باب المفاعلة ، تدل على المساواة بين المتخاطبين كأنهم قالوا : أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا فنهوا عنه لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [ النور : 63 ] وقيل : « راعنا » خطاب مع الاستعلاء أي راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره ، وليس في انْظُرْنا إلا سؤال الانتظار . وقيل : إنها تشبه اسم الفاعل من الرعونة والحمق ، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر كقولهم « عائذا بك » أي أعوذ عياذا . فقولهم راعِنا أي فعلت رعونة ، ويحتمل أنهم أرادوا صرت راعنا أي ذا رعونة ، فلمكان هذه الوجوه الفاسدة نهى اللّه عنها ، وقيل : المراد لا تقولوا قولا راعنا أي منسوبا إلى الرعن كدارع ولابن ، ومنه قراءة الحسن راعِنا بالتنوين . وانظرنا من نظره إذا انتظره انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [ الحديد : 13 ] أمرهم اللّه تعالى أن يسألوه صلى اللّه عليه وسلم الإمهال لينقلوا عنه فلا يحتاجون إلى الاستعادة كأنهم قالوا له : توقف في كلامك وبيانك مقدار ما يصل إلى أفهامنا . وهذا القدر غير خارج عن قانون الأدب فقد يلتمسه المتعلم حرصا منه على أن لا يفوت منه شيء من الفوائد وإن كان المعلم غير مهمل دقائق التفهيم والإرشاد من التثبت