حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

337

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

اللَّهِ ظرف و خالِصَةً حال والعامل « كان » أو الاستقرار . الثالث : أن يكون عِنْدَ اللَّهِ هو الخبر و خالِصَةً حال والعامل فيها إما عند ، أو ما يتعلق به أو « كان » أو « لكم » وسوغ أن يكون عِنْدَ خبر كانَتْ لَكُمُ إذ كان فيه تخصيص وتبيين نحو وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص : 4 ] وقوله مِنْ دُونِ النَّاسِ نصب ب خالِصَةً لأنك تقول : خلص كذا من كذا . والمراد بالدار الآخرة الجنة لأنها هي المطلوبة من الدار الآخرة دون النار . والمراد بقوله عِنْدَ اللَّهِ الرتبة والمنزلة ، وحمله على عندية المكان ممكن هاهنا إذا لعلهم كانوا مشبهة . ومعنى خالصة لكم أي سالمة خاصة بكم لا حق لأحد فيها سواكم . « ودون » هاهنا يفيد التجاوز والتخطي في المكان كما تقول لمن وهبته منك ملكا : هذا لك من دون الناس . أي لا يتجاوز منك إلى غيرك . والناس للجنس وقيل للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] ولأنه لم يوجد هاهنا معهود . فإن قلت : من أين ثبت أنهم ادعوا ذلك ؟ قلنا : لأنه لا يجوز أن يقال في معرض الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح إلزامه بالثاني ، ولقوله تعالى وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] ولما اعتقدوا في أنفسهم أنهم هم المحقون ، لأن النسخ غير جائز عندهم ، ولزعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ويوصلونهم إلى ثواب اللّه فلهذه الأسباب عظموا شأن أنفسهم وكانوا يفتخرون على العرب ، وربما جعلوه كالحجة في أن النبي صلى اللّه عليه وسلم المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب ، وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فبين اللّه تعالى فساد معتقدهم بالآية . وبيان الملازمة أن متاع الدنيا قليل في جنب نعم الآخرة ، وذلك القليل كان أيضا منغصا عليهم بعد ظهور محمد صلى اللّه عليه وسلم ومنازعته معهم بالجدال والقتال . فالموت خير لهم لا محالة لأنه يوصل إلى الخيرات الكثيرة الدائمة الصافية عن النغص ، ولا يفوت إلا القليل النكد . والوسيلة وإن كانت مكروهة نظرا إلى ذاتها لكنه لا يتركها العاقل نظرا إلى غايتها كالفصد ونحوه . والنهي عن تمني الموت في قوله صلى اللّه عليه وسلم « لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وإن كان ولا بد فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا إليّ وأمتني ما كانت الوفاة خيرا لي » « 1 » محمول على تمن سببه عدم الصبر على الضر ونكد العيش كما قال قائل :

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب المرضى باب 19 . مسلم في كتاب الذكر حديث 10 ، 13 . أبو داود في كتاب الجنائز باب 9 . النسائي في كتاب الجنائز باب 1 . ابن ماجة في كتاب الزهد باب 31 . الدارمي في كتاب الرقاق باب 45 .