حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
299
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
« تعال جائيا وقم قائما » من الصفات القائمة مقام المصدر نحو « أقاعدا وقد سار الركب » بقي في الآية بحث ، وهو أنه كيف يعقل خروج المياه الكثيرة من الحجر الصغير ؟ والجواب أما على القول بالفاعل المختار فظاهر فإن له أن يحدث أيّ فعل خارق شاء من غير أن يطلب له سبب وواسطة ، وأما عند طالب الأسباب والوسائط فإن العناصر الأربعة لها هيولى مشتركة عندهم . وجوّز وانقلاب صور بعضها إلى بعض ، فجاز استمداد الماء الكامن في الحجر من الهواء المجاور له ، ومثل هذا ما رواه أنس أنه أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم بإناء وهو بالزوراء ، فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم . قال قتادة قلت لأنس : كم كنتم ؟ قال : ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة . بل معجزة نبينا صلى اللّه عليه وسلم أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة ، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد ، قال أهل الإشارة : الروح الإنساني وصفاته في عالم القالب بمثابة موسى وقومه ، وإنه يستسقي ربه لإروائها من ماء الحكمة والمعرفة فيضرب بعصا لا إله إلا اللّه . ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نورا عند استيلاء ظلمات النفس على حجر القلب فيتفجر اثنتا عشرة عينا من ماء الحكمة بعدد حروف لا إله إلا اللّه ، قد علم كل سبط من أسباط الإنسان وهي خمس حواس ظاهرة ، وخمس باطنة مع القلب والنفس مشربهم فيستوي في حظه بحسب مشربه . قوله سبحانه وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى الآية . زعم بعض المفسرين أن هذا السؤال منهم كان معصية ، فإن اللائق بحال المكلف الصبر على ما ساقه اللّه تعالى إليه خصوصا إذا كان نعمة وعفوا وصفوا ، ولا سيما إذا كان المسؤول أدون وأحقر . ولهذا أنكره موسى عليهم قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ . وقال الآخرون : إنه غير معصية لأن قوله كُلُوا وَاشْرَبُوا عند إنزال المن والسلوى ، وانفجار الماء أمر إباحة لا إيجاب . ثم إنهم كانوا أهل فلاحة فرغبوا إلى مألوفهم ، ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيسا فوق رغبته فيما لا يعتاد وإن كان شريفا . ولعلهم سئموا من التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم البلاد . وأيضا المواظبة على الطعام الواحد تميت الشهوة وتضعف الهضم ، فيصح أن يكون التبديل مطلوبا للعقلاء ، ولهذا أجابهم اللّه تعالى إلى ما سألوا ، ولو كان معصية لم يجبهم إلى ذلك ، اللهم إلا أن يكون من قبيل وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [ الشورى : 20 ] وإنما صح إطلاق الطعام الواحد على المن والسلوى ، لأنهم أرادوا بالوحدة نفي التبدل والاختلاف ، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها ويأكلها كل يوم لا يبدلها . قيل : لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا .