حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
280
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
مفعول به ، ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلا من الجزاء مثل « ولا تظلمون شيئا » . ومعنى تنكير النفس أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئا من الأشياء وهو الإقناط الكلي القاطع للمطامع . وكذلك قوله وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ أي فدية لأنها معادلة للمفدى . وفي الحديث « لا يقبل منه صرف ولا عدل » أي توبة ، لأنها تصرف من الحال الذميمة إلى الحال الحميدة ولا فداء . والضمير في وَلا يُقْبَلُ مِنْها يرجع إلى النفس الثانية العاصية غير المجزي عنها وهي التي لا يؤخذ منها عدل . ومعنى لا تقبل منها شفاعة أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها ، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها ، كما لا تجزي عنها شيئا ولو أعطت عدلا منها لم يؤخذ منها ولا هم ينصرون ، الضمير عائد إلى ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة ، والتذكير بمعنى العباد أو الأناسي مثل ثلاثة أنفس . وفي وصف اليوم بهذه الصفات تهويل عظيم تنبيه على أن الخطب شديد ، لأنه إذا وقع أحد في كريهة وحاولت أعزته دفاع ذلك عنه ، بدأت بما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية ، فتحمل عنه ما يلزمه وتذب عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوّته ونهاية بطشه . فإن رأى من لا طاقة له بممانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة وبذل المال والمنال ، فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة ، فإن لم تغن هذه الأمور تعلل بما أمكنه من نصر الإخوان ومدد الأخدان ، فأخبر اللّه تعالى أن شيئا من هذه لا يدفع يومئذ عن عذابه . وفي هذا تحذير من المعاصي وترغيب في تلافي ما فات بالتوبة ، لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية ، علم أنه لا ينفعه إلا الطاعة وتلافي البوادر . فالآية وإن كانت في بني إسرائيل إلا أنها تعم كل من يحضر ذلك اليوم . فإن قيل : قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الدية ، وفي موضع آخر من هذه السورة عكست القضية ، فما الحكمة في ذلك ؟ قلنا : من الناس من ميله إلى حب المال أشدّ من ميله إلى علو النفس فيتمسك أوّلا بالشفيع ثم يستروح إلى بذل المال ، ومنهم من على العكس فيقدم الفدية على الشفاعة ، فتغيير الترتيب إشارة إلى الصنفين واللّه أعلم . واعلم أن الشفاعة هي أن يستوهب أحد لأحد شيئا ويطلب له حاجة من الشفع ضد الوتر ، كأن صاحب الحاجة كان فردا فصار بالشفيع شفعا . ثم إن الأمة أجمعت على أن لمحمد صلى اللّه عليه وسلم رتبة الشفاعة في الآخرة ، وعليه يحمل قوله تعالى عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الاسراء : 79 ] وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [ الضحى : 5 ] . وأجمعوا على أنه لا شفاعة للكفار . بقي الخلاف فيمن عداهم . فأهل السنة أثبتوا الشفاعة لغير الكفار ،