حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
267
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
فاجرا . وأيضا ظاهر العمل الصالح لا يفيد اليقين بالجنة ، فلا عمل إلا بالإخلاص ، ولا حكم بالإخلاص إلا للّه تعالى ، لأنه من عمل القلب وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء . ولهذا جاء « والمخلصون على خطر عظيم » وكان دأب الصدّيقين أن يخلطوا الطمع بالخوف ، والرغبة بالرهبة ، يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [ السجدة : 16 ] وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [ الأنبياء : 90 ] وقيل : لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [ يونس : 62 ] أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت ، فآمنهم اللّه تعالى ثم سلاهم فقال لهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ يونس : 62 ] على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا . ثم إن الأئمة خصصوا نفي الخوف والحزن بالآخرة ، لأن مجاري الأمور في الدنيا لا تخلو من مواجب الخوف والحزن . وقال صلى اللّه عليه وسلم « خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل » « 1 » قلنا : المؤمن الراضي بقضاء اللّه وقدره لا يرى شيئا من المكاره مكروها ، وإنما مراده مراد حبيبه فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] فبترك الإرادة يصح نسبة العبودية ، وبالرضوان يحصل مفاتيح الجنان ، وتنكشف الهموم والأحزان ، ويتساوى الفقر والوجدان ، وتثبت حقيقة الإيمان وَالَّذِينَ كَفَرُوا لجحدهم مولاهم وَكَذَّبُوا بِآياتِنا لإثباتهم حكما لهم بحسب مشتهاهم وهواهم أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ وملازموها دائما سرمدا سواء كانوا من الإنس أو من الجن ، أعاذنا اللّه منها بعميم فضله وجسيم طوله . التأويل : إنكم تسجدون للّه بالطبيعة الملكية الروحانية اسْجُدُوا لِآدَمَ بخلاف الطبيعة تعبدا ورقا وانقيادا للأمر وامتثالا للحكم ، اسجدوا له تعظيما لشأن خلافته وتكريما لفضيلته المخصوصة به ، فمن سجد له فقد سجد للّه تعالى كما قال إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ اسجدوا لآدم لأجل آدم فإن عبادتكم وطاعتكم لا توجب ثوابا لكم ولا تزيد في درجاتكم ، ولكن فائدتها تعود إلى الإنسان لقوله يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ولأن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر والانزجار عن الإباء والاستكبار ، كيلا يلحقه من اللعن والبعد ما لحق إبليس فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لأنهم خلقوا من نور ، والنور من شأنه الانقياد والإفاضة ، وأنه خلق من نار والنار من شأنها الاستعلاء طبعا وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ لأنه ستر الحق على آدم كما سمي إبليس لأنه أبلس الحق . وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب المرضى باب 3 . ابن ماجة في كتاب الفتن باب 23 . الدارمي في كتاب الرقاق باب 67 . الترمذي في كتاب الزهد باب 57 أحمد في مسنده ( 1 / 172 ، 174 ) .