حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

263

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

التي تقال في الحج ، فلما فرغا من الحج أوحى اللّه تعالى إليهما إني قبلت توبتكما . وعن ابن مسعود : إن أحب الكلام إلى اللّه ما قاله أبونا حين اقترف الخطيئة « سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك وتعالى جدك ، لا إله إلا أنت ، ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت » . وقالت عائشة : لما أراد تعالى أن يتوب على آدم عليه السلام طاف بالبيت سبعا ، والبيت يومئذ ربوة حمراء ، فلما صلى الركعتين استقبل البيت وقال : اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي ، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي ، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي ، اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي ، وأرضني بما قسمت لي . فأوحى اللّه تعالى إلى آدم : يا آدم ، قد غفرت لك ذنبك ، ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها . وفي كلام الغزالي : أن التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة : أولها علم ، وثانيها حال ، وثالثها عمل . فالعلم هو معرفة ما في الذنب من الضرر ، وكونه حجابا بين العبد ورحمة الرب ، فإذا استحكمت هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات محبوبه ، وتأسف على الفعل الذي كان سببا لذلك الفوات . ويسمى ذلك التأسف ندما ، وهذه الحالة لها تعلق بالماضي وهو تلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر ، وتعلق بالحال وهو ترك الذنب الذي كان ملابسا له ، وتعلق بالمستقبل وهو العزم على أن لا يعود إليه أبدا . وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ، ويجعل العلم السابق كالمقدمة ، والترك اللاحق كالثمرة ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم « الندم توبة » « 1 » وجميع هذه الأمور بتوفيق اللّه ولطفه إنه هو التّواب الرحيم . والتوبة لغة الرجوع فيشترك فيه الرب والعبد ، فإذا وصف بها العبد فالمعنى راجع إلى ربه لأن العاصي هارب عن ربه ، وقد يفارق الرجل خدمة سيده فيقطع السيد معروفه عنه ، فإذا عاد إلى السيد عاد السيد عليه بإحسانه ومعروفه ، وهذا معنى قبول التوبة من اللّه وغفران ذنوب العباد « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » « 2 » ومعنى المبالغة في الثواب أن واحدا من ملوك الدنيا إذا عصاه إنسان ثم تاب قبل توبته ، ثم إذا عاد إلى المعصية وإلى الاعتذار فربما لم يقبل عذره لأن طبعه يمنعه من قبول العذر ، واللّه تعالى بخلاف ذلك لأنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضر ، بل لمحض الإحسان واللطف والرحمة

--> ( 1 ) رواه ابن ماجة في كتاب الزهد باب 30 . أحمد في مسنده ( 1 / 376 ) . ( 2 ) رواه ابن ماجة في كتاب الزهد باب 30 .