حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
254
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
طلاقها » « 1 » وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن اللّه تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس به ، فألقى اللّه تعالى عليه النوم ، ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحما وخلق حواء منه ، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة . فسألها من أنت ؟ قالت امرأة . قال : ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إليّ . فقالت له الملائكة امتحانا لعلمه : ما اسمها ؟ فقال : حواء . قالوا : ولم ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حي . قيل : فلما أراد آدم مد يده إليها منعته الملائكة وقالوا : أمهرها . قال : فما صداقها ؟ قالوا : أن تصلي على محمد وآله . قال : ومن محمد ؟ قالوا : من أولادك خاتم النبيين ولولاه لما خلقت . وعن ابن عباس قال : بعث اللّه جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما يحمل الملوك ولباسهما النور ، على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ ، وعلى آدم منطقة مكللة بالدرّ والياقوت حتى أدخل الجنة . فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخاله الجنة ، والخبر الأول دل على أنها خلقت في الجنة واللّه أعلم بحقيقة الحال . ثم هذه الجنة كانت في الأرض أو في السماء ؟ وعلى تقدير كونها في السماء هي دار الثواب أم جنة أخرى ؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني : هي في الأرض وحملا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى اهْبِطُوا مِصْراً [ البقرة : 61 ] قالا : لأن دار الثواب للخلد ولو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [ طه : 12 ] ولأن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [ الحجر : 48 ] ولأن إبليس بعد أن غضب اللّه عليه كيف يقدر أن يصل إلى جنة الخلد ، ولأن دار الجزاء يدخل المكلف فيها بعد العمل ولا عمل لآدم وقتئذ ، ولأنه تعالى خلقه في الأرض ولم يذكر نقله إلى السماء ولو كان قد نقله لكان ذكره أولى ، لأن ذلك النقل من أعظم النعم . وقال الجبائي : هي في السماء السابعة ، اهبط منها إلى السماء الدنيا ، ثم منها إلى الأرض . وقال الجمهور : هي دار الثواب والدليل عليه أن اللام في الجنة ليست للعموم ، لأن السكنى في جميع الجنان محال فهي للعهد ، ولا معهود بين المسلمين إلا دار الثواب ، فوجب صرف اللفظ إليها . واسكن أمر من السكنى ، والسكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار . و « أنت » تأكيد للمستكنّ في « اسكن » ليصح العطف عليه . و رَغَداً وصف للمصدر أي أكلا رغدا واسعا رافها و حَيْثُ
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب 1 . مسلم في كتاب الرضاع حديث 61 ، 62 . الدارمي في كتاب النكاح باب 35 . أحمد في مسنده ( 5 / 8 ) .