حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
252
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
يرونني ويؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر فيّ حولهم وقوتهم ؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة وأبقاهم على ذلك فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بالحكمة ؟ والسابع : سلمت هذا كله ، فلم إن استمهلته أمهلني ، وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في العالم ؟ ليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر ؟ فقال شارح الإنجيل : فأوحى اللّه تعالى إلى الملائكة قولوا له : أما تسليمك الأول أني إلهك وإله الخلق فغير صادق ولا مخلص ، إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي وأنا اللّه الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل ، وهذه الشبهات بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وليس يعدوها عقائد فرق الزيغ والكفر وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق ، ويرجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالخلق ، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص ، ولا جواب عنها بالتحقيق إلا الذي ذكره اللّه تعالى . فاللعين لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل ، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق ، أو حكم الخلق في الخالق . فالأول غلو كالحلولية وكالغلاة من الشيعة ، والثاني تقصير كالمشبهة وصفوا الخالق بصفات الأجسام ، وكالخوارج نفوا تحكيم الرجال وقالوا : لا حكم إلا للّه كقوله لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ [ الحجر : 33 ] لا أسجد إلا لك . فالشبهات كلها ناشئة من اللعين ، وتلك في الأول مصدرها ، وهذه في الأخير مظهرها ، ولهذا قال تعالى وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [ البقرة : 208 ] وشبه النبي صلى اللّه عليه وسلم كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة فقال « القدرية مجوس هذه الأمة والمشبهة يهود هذه الأمة ، والرافضة - يعني الغلاة - نصارها » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لتسلكن سبيل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه » « 1 » القول الثاني أن إبليس كان مؤمنا ثم كفر بعد ذلك ثم اختلفوا . فمن قائل معناه « وكان من الكافرين في علم اللّه » أي كان اللّه عالما في الأزل بأنه سيكفر . فصيغة « كان » متعلقة بالعلم لا بالمعلوم . ومن قائل إن « كان » بمعنى « صار » . وقيل : لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمنا فبعد لحظة يصدق عليه أنه كان من الكافرين . وإنما حكم بكفره على هذا القول الثاني لاستكباره واعتقاده كونه محقا في ذلك التمرد بدليل قوله أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [ ص : 76 ] وإلا فمجرد المعصية لا يوجب الكفر عندنا
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب 50 . مسلم في كتاب العلم حديث 6 . ابن ماجة في كتاب الفتن باب 17 . أحمد في مسنده ( 2 / 327 ، 450 ) .