حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
241
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
التغيير . وأصح الأقوال أن السجود كان بمعنى وضع الجبهة ولكن لا عبادة بل تكرمة وتحية كالسلام منهم عليه ، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك بدل التسليم . قال قتادة في قوله وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [ يوسف : 100 ] كان تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض ، ويجوز أن تختلف الرسوم والعادات باختلاف الأزمنة والأوقات . واختلف في أن إبليس من الملائكة أم لا . فقال أكثر المتكلمين لا سيما المعتزلة : إنه لم يكن منهم . وقال كثير من الفقهاء : إنه كان منهم حجة الأولين أنه من الجن لقوله تعالى في الكهف إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ [ الآية : 50 ] فلا يكون من الملائكة . وأيضا قال وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ [ سبأ : 40 ] ورد الأول بأن الجن قد يطلق على الملك لاستتاره عن العيون ، وبأن كان يحتمل أن تكون بمعنى صار . والثاني بأنه لا يلزم من كون الجن في هذه الآية نوعا مغايرا للملائكة أن يكون في الآية الأولى أيضا مغايرا ، لاحتمال كونه على مقتضى أصل اللغة وهو الاستتار . وقالوا : إن إبليس له ذرية لقوله تعالى أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي [ الكهف : 50 ] والملائكة لا ذرية لها لأنها تحصل من الذكر والأنثى ولا إناث فيهم لقوله وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [ الزخرف : 19 ] منكرا عليهم وأيضا الملائكة معصومون لما سلف ، وإبليس لم يكن كذلك . وأيضا إنه من النار خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ [ ص : 76 ] وأنهم من نور لقوله صلى اللّه عليه وسلم « خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار » « 1 » رواه الزهري عن عروة عن عائشة . ومن المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون ، فقيل سموا بذلك لأنهم من الريح أو من الروح . وأيضا الملائكة رسل جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [ فاطر : 1 ] ورسل اللّه معصومون اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام : 124 ] حجة الآخرين أنه استثناه من الملائكة ، وحمله على المتصل أولى ، لأن تخصيص العمومات في كتاب اللّه أكثر من الاستثناء المنقطع . قيل : إنه جني واحد مغمور بين ظهراني ألوف من الملائكة فغلبوا عليه ، وهذا لا ينافي كون الاستثناء متصلا . وأجيب بأن التغليب إنما يصار إليه إذا كان المغلوب ساقطا عن درجة الاعتبار ، أما إذا كان معظم الحديث فيه فلا يصار إلى التغليب . وأيضا لو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الخطاب ب اسْجُدُوا وحينئذ لم يستحق بترك السجود لوما وتعنيفا ، ولا يمكن أن يقال إنه نشأ معهم والتصق بهم فتناوله الأمر لما بين في أصول الفقه أن خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين ،
--> ( 1 ) رواه مسلم في كتاب الزهد حديث 60 . أحمد في مسنده ( 6 / 153 ، 168 ) .