حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

230

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

والدنيا ؟ وإن الكلب المعلم يكون صيده ماهرا ببركة العلم مع أنه نجس في الأصل ، فالنفس الطاهرة في الفطرة إذا تلوثت بأوزار المعصية ، كيف لا تطهر ببركة العلم باللّه وبصفاته ؟ وإذا كان السارق عالما لا تقطع يده لأنه يقول : كان المال وديعة لي ، وكذا الشارب يقول : حسبته حلالا ، وكذا الزاني يقول : تزوجتها فإنه لا يحد . وأما الحكايات ، ( يحكى ) أن هارون الرشيد كان بحضرته فقهاء فيهم أبو يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيتي مالا بالليل ، ثم أقر الآخذ بذلك في المجلس ، فاتفق العلماء على أنه تقطع يده ، فقال أبو يوسف : لا قطع عليه لأنه أقر بالأخذ ، وإنه لا يوجب القطع بل لا بد من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في ذلك ثم قالوا للآخذ : أسرقتها ؟ فقال : نعم . فأجمعوا على القطع لأنه أقر بالسرقة . فقال أبو يوسف : لا قطع عليه لأنه وإن أقر بالسرقة ، لكن بعد ما أوجب الضمان عليه بإقراره بالأخذ ، وإذا أقر بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره فتعجب الكل . ( وعن الشعبي ) كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر - فقيه خراسان - من بلخ مكبلا في الحديد . فقال الحجاج : أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية الرسول ؟ فقال : بلى . فقال الحجاج : لتأتيني ببينة واضحة من كتاب اللّه أو لأقطعنك عضوا عضوا . فقال : آتيك ببينة واضحة من كتاب اللّه يا حجاج ؟ قال : فتعجب من جرأته بقوله يا حجاج فقال له : ولا تأتيني بهذه الآية نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ [ آل عمران : 61 ] فقال : آتيك بها واضحة من كتاب اللّه . قال تعالى : وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ إلى قوله وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى [ الأنعام : 84 ] فمن أبو عيسى فقد ألحق تعالى عيسى بذرية نوح قال : فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال : كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب اللّه ، حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا . ( ويحكى ) أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام ويبكتوه ويسفهوا عليه ، فقال لهم : لا يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره ، فأشاروا إلى واحد فقال : هذا أعلمكم ؟ قالوا : نعم . قال : والمناظرة معه كالمناظرة معكم ؟ قالوا : نعم . قال : والإلزام عليه كالإلزام عليكم ؟ قالوا : نعم . قال : وإن ناظرته وألزمته الحجة فقد ألزمتكم الحجة ؟ قالوا : نعم . قال : وكيف قالوا لأنا رضينا به إماما فكان قوله قولا لنا ، قال أبو حنيفة فنحن لما اخترنا الإمام في الصلاة فقراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا فأقروا له بالعلم . ويحكى أن المنصور دعا أبا حنيفة يوما فقال الربيع وهو يعاديه : يا أمير المؤمنين ، هذا يخالف جدك حيث يقول الاستثناء المنفصل جائز وأبو حنيفة ينكره ، فقال أبو حنيفة : هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس . فقال : كيف قال إنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل