حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

215

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعرف عددهم إلا اللّه ، ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل صلى اللّه عليه وسلم والملائكة الذين هم جنود جبريل وهم كلهم سامعون مطيعون لا يستكبرون عن عبادته ولا يسأمون » وأما أصنافهم فمنهم حملة العرش وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [ الحاقة : 17 ] ومنهم أكابر الملائكة جبرائيل صاحب الوحي والعلم ، وميكائيل صاحب الرزق والغذاء ، وإسرافيل صاحب الصور ، وعزرائيل ملك الموت ، ومنهم ملائكة الجنة وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ [ الرعد : 23 ] ومنهم ملائكة النار عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [ المدثر : 30 ] ومنهم لموكلون ببني آدم عن اليمين وعن الشمال قعيد . ومنهم الموكلون بأحوال هذا العالم وَالصَّافَّاتِ صَفًّا [ الصافات : 1 ] وأما أوصافهم فكما قال أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه : منهم سجود لا يركعون ، وركوع لا ينتصبون ، وصافون لا يتزايلون ، ومسبحون لا يسأمون ، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان ، ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره . منهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه ، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم ، والمارقة من السماء العليا أعناقهم ، والخارجة من الأقطار أركانهم ، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ، ناكسة دونه أبصارهم ، متلفعون بأجنحتهم ، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة ، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ، ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر . ثم إنه روى الضحاك عن ابن عباس أنه سبحانه إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا محاربين مع إبليس ، لأن اللّه تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضا ، بعث اللّه إبليس في جند من الملائكة فأخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر ، فقال تعالى لهم إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين : إنه تعالى قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص ، لأن لفظ الملائكة يفيد العموم والتخصيص خلاف الأصل . و جاعِلٌ من جعل الذي له مفعولان ، معناه مصير في الأرض خليفة ، وإنما لم يقل إني خالق كما قال إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ لأنه باعتبار الخلافة من عالم الأمر لا من عالم الخلق . والظاهر أن الأرض يراد بها ما بين الخافقين ، وقد يروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أن الأرض هاهنا أرض مكة التي دحيت الأرض من تحتها . والخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه ، والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، وجمعه خلائف مثل :