حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

200

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

التشخص أمر زائد على حقيقة الشيء فاعلم . وانتصاب رِزْقاً على أنه مفعول ثان رُزِقُوا ومعنى هذَا الَّذِي أي هذا مثل الذي رزقنا من قبل نحو « أبو يوسف أبو حنيفة » لأن ذات الذي رزقوه في الجنة لا تكون هي ذات الذي رزقوه في الدنيا . والضمير في قوله وَأُتُوا بِهِ يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعا ، لأن قوله هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين . والغرض في تشابه ثمر الدنيا وثمر الآخرة أن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل ، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد ، ورأى فيه مزية ظاهرة أفرط ابتهاجه وطال استعجابه وتبين كنه النعمة فيه . فإذا أبصروا الرمانة والنبقة في الدنيا وحجمها ، ثم أبصروا رمانة الجنة تشبع السكن ، والنبقة كقلال هجر ، كما يرون الشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه ، كان ذلك أبين للفضل وأزيد في التعجب من أن يفاجئوا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما . وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها ، دليل على تناهي الأمر في ظهور المزية وكمال الاستغراب في كل أوان . عن مسروق : نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها ، وثمرها أمثال القلال ، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى ، وأنهارها تجري في غير أخدود ، والعنقود اثنا عشر ذراعا . ويجوز أن يرجع الضمير في أُتُوا بِهِ إلى الرزق ، كما أن هذا إشارة إليه . ويكون المعنى : إن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانسا في نفسه ، إما لتساوي ثوابهم في كل الأوقات في القدر والدرجة حتى لا يزيد ولا ينقص ، وإما لأن الإنسان إذا التذ بشيء وأعجب به لا تتعلق نفسه إلا بمثله فإذا جاءوه بما يشبه الأول من كل الوجوه كان ذلك نهاية اللذة . وعن الحسن أن الاشتباه في اللون فقط قال : يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ، ثم يؤتى بالأخرى فيقول : هذا الذي أتينا به من قبل . فيقول الملك : كل ، فاللون واحد والطعم مختلف . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم « والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدل اللّه مكانها مثلها ، فإذا أبصروها والهيئة هيئتها الأولى قالوا ذلك » ويحتمل أن يقال : إن كمال السعادة ليس إلا في معرفة ذات اللّه تعالى وصفاته وأفعاله من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وطبقات الأرواح وعالم السماوات ، بحيث يصير روح الإنسان كالمرآة المحاذية لعالم القدس ، ثم إن هذه المعارف تحصل في الدنيا ، ولكن لا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج لمكان العلائق البدنية ، وإذا زال العائق بعد الموت وشاهد تلك المعارف قال : هذه هي التي كانت حاصلة لي في الدنيا ، ووجد كمال اللذة والسرور . وقال أهل التحقيق : الجنة جنة الوصول ، وأشجارها هي الملكات الحميدة والأخلاق الفاضلة ، والثمرات ثمرات المكاشفات