حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
196
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
يكن قاطعا بنبوته لكان يجوز خلافه ، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه ، فالمبطل المزوّر لا يقطع في الكلام قطعا ، وحيث جزم دل على صدقه . ورابعها : أن قوله « ولن تفعلوا » وفي « لن » ، تأكيد بليغ في نفي المستقبل إلى يوم الدين ، إخبار بالغيب . وقد وقع كما قال صلى اللّه عليه وسلم ، لأن أحدا لو عارضه صلى اللّه عليه وسلم لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه عادة ، لا سيما والطاعنون فيه صلى اللّه عليه وسلم أكثف عددا من الذابين عنه صلى اللّه عليه وسلم ، وإذا لم تقع المعارضة إلى الآن غلب على الظن ، بل حصل الجزم أنها لا تقع أبدا لاستقرار الإسلام وقلة شوكة الطاعنين . وإنما جيء ب « إن » الذي للشك دون « إذا » الذي للوجوب والقطع ، مع أن انتفاء إتيانهم بالسورة واجب بناء على حسبانهم وطمعهم ، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على بلاغتهم . وأيضا فيه تهكم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه : إن غلبتك لم أبق عليك . وإنما اختير قوله « فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا » على قوله « فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله ، طلبا للوجازة ، فإن الإتيان فعل من الأفعال ، وحذف مفعول فعل كثير دون مفعول أتى فهو جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصارا يغنيك عن طول المكنى عنه ، كما لو قلت : أتيت فلانا وأعطيته درهما . فيقال لك : نعم ما فعلت . وقوله « ولن تفعلوا » جملة معترضة لا محل لها . وليس الواو للحال وإنما هو للاستئناف . والمعترضة تجيء بالواو وبدون الواو ، وقد اجتمعتا في قوله : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [ الواقعة : 76 ] وإنما لم يقل فإن لم تفعلوا فاتركوا العناد كما هو الظاهر ، لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد ، فوضع موضعه من حيث إنه من نتائجه ، لأن من اتقى النار ترك المعاندة ، ونظيره قول الملك لجيشه : إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي . يريد فاتبعون وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط ، فهو من باب الكناية . وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن ، وتهويل شأن العناد بأنه الموجب للنار ، ولهذا شنع بتفظيع أمرها . والوقود ما ترفع به النار ، وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح . فإن قلت : صلة « الذي » و « التي » يجب أن تكون قصة معلومة للمخاطب ، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة ؟ قلنا : لا يمتنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب ، أو سمعوه من رسول اللّه ، أو يكون إشارة إلى ما نزلت بمكة قبل نزول هذه بالمدينة وذلك في سورة التحريم قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [ التحريم : 6 ] ولهذا عرّفت هاهنا مشارا بها إلى ما عرفوه ثمة أوّلا ، والمعنى : اتقوا نارا ممتازة عن غيرها من النيران بأنها لا تتّقد إلا بالناس والحجارة ، أو بأنها توقد بنفس ما يراد إحراقه وإحماؤه ، أو بأنها لإفراط حرها إذا اتصلت بما لا يشتعل به نار اشتعلت وارتفع لهبها . ولعل لكفار