حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
193
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا شيئا فشيئا وحينا فحينا حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة ، فقيل لهم : إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج ، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه ، وهلموا نجما من نجومه أصغر سورة وهي الكوثر ، ومعنى السورة مذكور في المقدمة الرابعة . وإنما قيل : « على عبدنا » دون أن يقال على محمد كقوله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ [ محمد : 2 ] تشريفا له صلى اللّه عليه وسلم وإعلاما بأنه صلى اللّه عليه وسلم ممن صحح نسبة العبودية المأمور بها في قوله تعالى : « يا أيها الناس اعبدوا » وإضافة العبد إلى الضمير أيضا تؤيد ذلك كقوله تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الإسراء : 65 ] . وفيه أن السعادة كل السعادة في نسبة العبدية ، فهي التي توصل إلى العندية فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] « وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي » وكمال العندية في كمال الحرية عما سوى اللّه . وأما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سورا ، فمن ذلك أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتملت الأنواع على الأصناف ، كان إفراز كل من صاحبه أحسن ، ولهذا وضع المصنفون كتبهم على الأبواب والفصول ونحوها . ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر ، كان أنشط له كالمسافر إذا قطع ميلا أو طوى فرسخا ، ومن ثم جزءوا القرآن أسباعا وأجزاء وعشورا وأخماسا ، ومنها أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب اللّه طائفة مستقلة بنفسها فيحل في نفسه ، ومنه حديث أنس : كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا . ولهذا كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل . و « من مثله » متعلق بمحذوف أي بسورة كائنة من مثله ، والضمير لما نزلنا أو لعبدنا . ويجوّز أن يتعلق بقوله « فأتوا » والضمير للعبد معناه ، فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب والنظم الأنيق ، أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشرا عربيا أو أميا لم يقرأ الكتب ولم يقصد إلى مثل ونظير معين ، ولكنه كقول من قال للحجاج وقد توعده بقوله « لأحملنك على الأدهم مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب » أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد ، ولم يقصد أحدا يجعله مثل الحجاج . وردّ الضمير على المنزل أوجه وعليه المحققون . ويروى عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن ، ولأن ذلك يطابق الآيات الأخر فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ [ هود : 13 ] ، ولأن البحث إنما وقع في المنزل لا في المنزل عليه ، إذ المعنى وإن ارتبتم أن القرآن منزل من عند اللّه فهاتوا أنتم شيئا مما يماثله . ولو كان الضمير مردودا إلى الرسول اقتضى الترتيب أن يقال : وإن ارتبتم في أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم منزل عليه ، فأتوا بسورة ممن يماثله . وأيضا لو كان عائدا إلى القرآن اقتضى أن يكونوا عاجزين عن الإتيان بمثله ، مجتمعين أو متفرقين ، أميين أو قارئين . ولو عاد إلى