حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

191

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

وإلا لزم تقرير المبطل المشبه للحق . وحيث لم تقع المعارضة وقتئذ علم أن لا معارضة ، وإلى هذا أشار سبحانه بقوله « ولن تفعلوا » كما يجيء . واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها ، وكالملاحة فمدرك الإعجاز هو الذوق . ومن فسر الإعجاز بأنه صرف اللّه تعالى البشر عن معارضته ، أو بأنه هو كون أسلوبه مخالفا لأساليب الكلام ، أو بأنه هو كونه مبرأ عن التناقض ، أو بكونه مشتملا على الأخبار بالغيوب وبما ينخرط في سلك هذه الآراء ، فقد كذب ابن أخت خالته . فإنا نقطع أن الاستغراب من سماع القرآن إنما هو من أسلوبه ، ونظمه المؤثر في القلوب تأثيرا لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، لا من صرف اللّه تعالى البشر عن الإتيان بمثله ، كما لو قال أحد : معجزتي أن أضع الساعة يدي على رأسي ويتعذر ذلك عليكم . وكان كما قال ، جاء الاستغراب من التعذر لا من نفس الفعل . وأيضا تسمية كل أسلوب غريب معجزا باطل ، وكذا تسمية كل كلام مبرإ عن التناقض أو مشتملا على الغيب ككلام الكهان ونحوهم . فإن قيل : كيف نعتقد إعجاز القرآن بحيث يعجز عنه الثقلان فقط والزائد غير معلوم الحال ، أو بحيث يعجز عنه المخلوقات بأسرها ؟ قلنا : لا ريب أن الحق هو القسم الثاني ، إلا أن التحدي لم يقع إلا بالقدر الأول وبه يثبت صحة النبوة . لكن النبي صادق وقد أخبر بأنه كلام اللّه تعالى ، ونحن نعلم أن كلام صفته وصفته يجب أن تكون في غاية الكمال ونهاية الجلال . فالقرآن إذا في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة . والبلاغة هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حدا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها ، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها ، وهي فينا كأنها هيئة اجتماعية حاصلة من معرفة قوانين علمي المعاني والبيان . والفصاحة إما معنوية وهي خلوص الكلام عن التعقيد ، والتعقيد أن يعثر صاحبه فكرك في متصرفه ويشيك طريقك إلى المعنى ويوعر مذهبك نحوه ، حتى يقسم فكرك ويشعب ظنك فلا تدري من أين تتوصل وبأي طريق معناه يتحصل . وإما لفظية وهي أن تكون الكلمة عربية أصلية ، وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدرب ، واستعمالهم لها أكثر ، وأن تكون أجرى على قوانين اللغة العربية ، وأن تكون سليمة عن التنافر ، عذبة على العذبات ، سلسة على الأسلات . والحاكم في ذلك هو الذوق السليم والطبع المستقيم ، فقلما ينجع هنالك إلا ذلك . ثم إنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة ، ومع ذلك فإنه بلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية وراءها ، فدل ذلك على كونه معجزا . منها أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات كبعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو