حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

189

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

أن من اتخذ طلسما في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به في أحوال مخصوصة نحو السعادة والخصب ودفع الآفات ، وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به ، فلما بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة ، ثم نسوا مبدأ الأمر بتطاول المدة واشتغلوا بعبادتها . ورابعها : أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مستجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند اللّه تعالى ، اتخذوا صنما على صورته وعبدوها على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعا لهم يوم القيامة عند اللّه تعالى وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] وخامسها : لعلهم اتخذوها قبلة لصلاتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها لا لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة ، ولما استمرت هذه الحالة ظن جهال القوم أنه يجب عبادتها . وسادسها : لعلهم كانوا من المجسمة فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل . فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل مذهبهم عليها حتى لا يصير بحيث يعلم بطلانه بالضرورة . فإن قيل : لما رجع حاصل مذاهب عبدة الأوثان إلى الوجوه التي ذكرت ، فما وجه المنع عنها ؟ قلنا : لما تقربوا إليها وعظموها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله قادرة على مخالفته ومضادته ، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم ، وكما تهكم بهم بلفظ الند ، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ند قط ، ولا يفيد في طريق عبادته إلا الحنيفية والإخلاص ورفع الوسائط من البين . واعلم أن اليونانيين كانوا قبل خروج الإسكندر عمدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة ، واتخذوها معبودة لهم على حدة . وقد كان هيكل العلة الأولى وهي عندهم الأمر الإلهي ، وهيكل العقل الصريح ، وهيكل السياسة المطلقة ، وهيكل النفس والصور مدورات كلها ، وكان هيكل زحل مسدسا ، وهيكل المشتري مثلثا ، وهيكل المريخ مستطيلا ، وهيكل الشمس مربعا ، وهيكل الزهرة مثلثا في جوفه مربع ، وهيكل عطارد مثلثا في جوفه مستطيل ، وهيكل القمر مثمنا . وزعم أصحاب التاريخ أن عمرو بن لحيّ لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم وولي أمر البيت الحرام ، اتفقت له سفرة إلى البلقاء فرأى قوما يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا : هذه أوثان نستنصر بها فننصر ، ونستسقي بها فنسقي ، فالتمس منهم أن يأتوا بواحد منها فأعطوه الصنم المعروف بهبل ، فصار به إلى مكة ووضعه في الكعبة ، ودعا الناس إلى تعظيمه ، وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف . ومن بيوت الأصنام المشهورة ( غمدان ) الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة صنعاء وخربه عثمان بن عفان . ومنها ( نوبهار ) الذي بناه منوجهير الملك على اسم القمر . ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل ( ود ) بدومة الجندل لكلب ، و ( سواع ) لبني هذيل ، و ( يغوث )