حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

184

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

روائحها دلالة ، فمنها قوت البشر ، ومنها قوت البهائم كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ [ طه : 54 ] ومنها الطعام ، ومنها الإدام ، ومنها الدواء ، ومنها الفواكه ، ومنها كسوة البشر نباتية كالقطن والكتان ، وحيوانية كالشعر والصوف والإبريسم والجلود . ومنها الأحجار المختلفة بعضها للزينة وبعضها للأبنية ، فانظر إلى الحجر الذي يستخرج منه النار مع كثرته ، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته ، وانظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير وقلة النفع بهذا الخطير . ومنها ما أودع اللّه تعالى فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضة ، ثم تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمك من قعر البحر ، واستنزلوا الطير من أوج الهواء ، لكن عجزوا عن اتخاذ الذهب والفضة . والسبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية ، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة والقدرة على اتخاذهما تبطل هذه الحكمة فلذلك ضرب اللّه دونهما بابا مسدودا ، ومن هاهنا اشتهر في الألسنة « من طلب المال بالكيمياء أفلس » . ومنها ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار الصالحة للبناء والسقف ثم الحطب ، وما أشد الحاجة إليه في الخبز والطبخ . ولعل ما تركنا من المنافع أكثر مما عددنا ، فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب والعجائب اعترف بمدبر حكيم ومقدر عليم إن كان ممن يسمع ويعي ويبصر ويعتبر . الثانية في منافع السماء : البناء مصدر سمي به المبني بيتا كان أو قبة أو خباء ، وأبنية العرب أخبيتهم ، ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديدا . ثم إن اللّه تعالى زين السماء الدنيا بالمصابيح وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [ الملك : 5 ] وبالقمر وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [ نوح : 16 ] وبالشمس وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [ نوح : 16 ] وبالعرش رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [ التوبة : 129 ] وبالكرسي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ البقرة : 255 ] وباللوح فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ البروج : 22 ] وبالقلم ن وَالْقَلَمِ [ القلم : 1 ] وسماها سقفا محفوظا وسبعا طباقا وسبعا شدادا . وذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة وغايات صحيحة رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا [ آل عمران : 191 ] وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ ص : 27 ] وجعلها مصعد الأعمال ومهبط الأنوار وقبلة الدعاء ومحل الضياء والصفاء ، وجعل لونها أنفع الألوان وهو المستنير ، وشكلها أفضل الأشكال وهو المستدير ، ونجومها رجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، وقيض للشمس طلوعا يسهل معه التقلب لقضاء الأوطار في الأطراف ، وغروبا يصلح معه الهدوء والقرار في الأكنان لتحصيل الراحة وانبعاث القوة