حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

180

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

[ الزمر : 53 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ [ الأحزاب : 45 ] لأن ما يعقبها أمور عظام وخطوب جسام من الأوامر والنواهي والعظات ، عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها . وأي وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام ، وهو اسم مبهم يوصف باسم جنس ليصح المقصود بالنداء مع ضرب من التأكيد المستفاد من الإبهام ثم التوضيح . وفي حرف التنبيه المقحم فائدتان : معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه ووقوعها عوضا مما يستحقه أي من الإضافة . ثم إن قلنا : إن الخطاب عام لجميع المكلفين لأن الجمع المعرف باللام يفيد العموم بدليل صحة تأكيده « بكل » و « أجمعون » في مثل قوله فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ ص : 73 ] ، بدليل صحة الاستثناء ، فالأقرب أنه لا يتناول إلا الموجودين في ذلك العصر ، وإنما يتناول الذين سيوجدون بدليل منفصل هو ما عرف بالتواتر من دين محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أن حكم الموجودين في عصره حكم من سيوجد إلى قيام الساعة . وإن قلنا : إن الخطاب لمشركي مكة فيدخل سائر الناس بالتبعية على قياس ما قلنا . والمراد من قوله « اعبدوا » صححوا نسبة العبادة ، وذلك بأن يعرف نفسه بالإمكان ليعرف ربه بالوجوب ، ويعرف نفسه بالمملوكية ليعرف ربه بالمالكية ، ويعرف نفسه بالمقهورية والمقدورية ليعرف ربه بالقاهرية والقادرية ، ويعرف نفسه بالمأمورية والذلة ليعرف ربه بالآمرية والعزة ، فلا يتجاوز حده ولا يعكس هذه القضايا فلا يرى لنفسه تصرفا بوجه من الوجوه ولا قدرة بنوع من الأنواع ، وإنما يكون عبدا ذليلا ماثلا بين يدي مولاه ، طائعا له بكل ما يأمره وينهاه ، لأنه إذا تصور كونه عبدا فلا بد أن يطلب لنفسه سيدا ، وإذا وجد السيد فلا محالة يوطن نفسه لطاعته وانقياده ، ولا يرى مخالفته في شيء أصلا إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ البقرة : 131 ] وإلا لم تصح نسبة عبوديته . عن الأصمعي أنه أتى بغلام ليشتريه فقال له : ما اسمك ؟ قال : ما تسميني قال : أي شيء تأكل ؟ قال : ما تطعمني . قال : ما تشرب ؟ قال : ما تسقيني قال : تريد أن أشتريك ؟ قال : العبد لا يكون له إرادة والأمر بالعبادة بهذا المعنى يشمل الكافر والمؤمن وكل من فيه أهلية الخطاب ، ويندرج فيه المبادي والنهايات والأصول والفروع . ثم إنه تعالى لما علم القصور البشري وضعف قواهم الفطرية والفكرية أرشدهم إليه ونبههم عليه بقوله « ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم » واعلم أن الطريق إلى معرفة الواجب سبحانه وتعالى بعد ما قلنا من الرجوع إلى النفس والتنبه لسمة العبودية ، إما الإمكان أو الحدوث أو مجموعهما ، وكل منهما في الجواهر أو في الأعراض أما الاستدلال بإمكان الذوات فإليه الإشارة بقوله تعالى وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ محمد : 38 ] وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] وأما