حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
168
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الصحيح اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق ، ولأنهم كانوا في رئاسة وثروة وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب ، فدعوهم سفهاء تحقيرا لشأنهم كما قال قوم نوح وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا [ هود : 27 ] أو أرادوا عبد اللّه بن سلام وأشياعه لما غاظهم من إسلامهم وفتّ في أعضائهم . عن أنس أنه سمع عبد اللّه بن سلام بمقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو في أرض مخترف ، فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي . فما أوّل أشراط الساعة ؟ وما أول طعام أهل الجنة ؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : أخبرني بهن جبريل آنفا . أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت . وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الوالد ، وإذا سبق ماء المرأة نزعت . قال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه يا رسول اللّه ، إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني . فجاءت اليهود فقال : أي رجل عبد اللّه فيكم ؟ قالوا : خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا . قال : أرأيتم إن أسلم عبد اللّه بن سلام . قالوا : أعاذه اللّه من ذلك . فخرج عبد اللّه فقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه . فقالوا : شرنا وابن شرنا فانتقصوه . قال : هذا الذي كنت أخاف يا رسول اللّه . ثم إن اللّه تعالى ألقى عليهم هذا اللقب مقرونا بالمؤكدات التي بيناها في قوله « ألا إنهم هم المفسدون » وذلك أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفه فهو السفيه ، وكذا من باع آخرته بدنياه . قال صلى اللّه عليه وسلم : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت » « 1 » . وأيضا من السفه معاداة المحمديين يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [ الصف : 8 ] . كالطود يحقر نطحة الأوعال إنما فصلت هذه الآية « بلا يعلمون » والتي قبلها « بلا يشعرون » لأن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري ، وأما النفاق وما يؤول إليه من الفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات ، وخصوصا عند العرب في جاهليتهم . وما كان قائما بينهم من التحارب والتجاذب فهو كالمحسوس المشاهد ، ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقا له .
--> ( 1 ) رواه الترمذي في كتاب القيامة باب 25 . ابن ماجة في كتاب الزهد باب 31 . أحمد في مسنده ( 4 / 24 ) .