حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
166
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين . فقوله « وإذا قيل » إما معطوف على « كانوا يكذبون » أي ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وبما كانوا إذا قيل لهم كذا قالوا كذا ، وإما على « يقول » أي ومن الناس من إذا قيل له . ويحتمل أن يقال الواو للاستئناف ، وإسناد « قيل » إلى « لا تفسدوا » و « آمنوا » ليس من إسناد الفعل إلى الفعل فإنه لا يصح ، ولكنه إسناد إلى لفظ الفعل . أي وإذا قيل لهم هذا القول نحو : زعموا مطية الكذب . والقائل لهم إما النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك نصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح ، وإما بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبل منهم ويعظمهم ، وإما بعض المؤمنين ، ولا يجوز أن يكون القائل ممن لا يختص بالدين . والفساد خروج الشيء عن أن يكون منتفعا به ، ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة . عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي أن المراد بالإفساد المنهي عنه إظهار معصية اللّه تعالى ، فإن الشرائع سنن موضوعة بين العباد ، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه ، فحقنت الدماء وضبطت الأموال وحفظت الفروج وكان ذلك صلاح الأرض وأهلها . وأما إذا أهملت الشريعة وأقدم كل واحد على ما يهواه ، اشتعلت نوائر الفتن من كل جانب ، وحدثت المفاسد . وقيل : هو مداراة المنافقين الكافرين ومخالطتهم إياهم لأنهم إذا مالوا إلى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون ، أوهم ذلك ضعف أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه فيصير سببا لطمع الكفار في المؤمنين ، فتهيج الفتن والحروب . وقيل : كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ويلقون الشبه ويفشون أسرار المؤمنين ، ولما نهوا عن الإفساد في الأرض كان قولهم « إنما نحن مصلحون » كالمقابل له . فههنا احتمالات : أحدها : أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين ، فزعموا أنهم مصلحون . وثانيها : إذا فسر الإفساد بموالاتهم الكافرين أن يكون مرادهم أن الغرض من تلك الموالاة هو الإصلاح بين المسلمين كقولهم فيما حكى اللّه سبحانه إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً [ النساء : 62 ] وثالثها : أن يكون المراد إنكار إذاعة أسرار المسلمين ونسبة أنفسهم إلى الاستقامة والسداد ، وجيء بأداة القصر دلالة على أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت ، أي حالنا مقصورة على الإصلاح لا تتعداه إلى غيره . « وألا » مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي ، فيفيد التنبيه على تحقيق ما بعدها كقوله تعالى أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ [ القيامة : 40 ] ولإفادتها التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم . وأختها التي هي « أما » من مقدمات اليمين وطلائعها . قال : أما والذي أبكى وأضحك والذي * أمات وأحيا والذي أمره الأمر