حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

163

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الإخفاء ، ومنه سميت الخزانة المخدع . والأخدعان عرفان في العنق خفيان . وخدع الضب خدعا إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلا . والخديعة مذمومة لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه ، فهي بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسية . فإن قيل : مخادعة اللّه والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا يخدع ، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع ، والمؤمنين وإن جاز أن يخدعوا كما قال ذو الرمة : تلك الفتاة التي علقتها عرضا * إن الحليم ذا الإسلام يختلب لم يجز أن يخدعوا . قلنا : كانت صورة صنعهم مع اللّه - حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون - صورة صنع الخادعين ، وصورة صنع اللّه معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع ، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم - حيث امتثلوا أمر اللّه فيهم فأجروا أحكامه عليهم . ويحتمل أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن اللّه ممن يصح خداعه ، لأنه من كان ادعاؤه الإيمان باللّه تعالى نفاقا لم يكن عارفا باللّه ولا بصفاته ، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون اللّه مخدوعا ومصابا بالمكروه من وجه خفي ، أو تجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم . ويحتمل أن يذكر اللّه ويراد الرسول لأنه خليفته والناطق بأوامره ونواهيه مع عباده إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] . ويحتمل أن يكون من قولهم « أعجبني زيد وكرمه » فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا باللّه ، وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص . ولما كان المؤمنون من اللّه بمكان سلك بهم هذا المسلك ومثله وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التوبة : 62 ] إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأحزاب : 57 ] وقولهم « علمت زيدا فاضلا » الغرض ذكر الإحاطة بفضل زيد ، لأن زيدا كان معلوما له قديما كأنه قيل : علمت فضل زيد ولكن ذكره توطئة وتمهيدا . ووجه الاختصار بخادعت على واحد أن يقال : عني به فعلت إلا أنه أخرج في زنة « فاعلت » لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة ، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه . « ويخادعون » بيان ليقول ، ويجوز أن يكون مستأنفا كأن قيل : ولم يدعون الإيمان كاذبين ؟ فقيل : يخادعون . وكان غرضهم من الخداع الدفع عن أنفسهم أحكام الكفار من القتل والنهب وتعظيم المسلمين إياهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم واطلاعهم على أسرار المسلمين لاختلاطهم بهم . والسؤال الذي يذكر هاهنا من أنه تعالى لم أبقى المنافق على