حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

16

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

ودفع المضار لا قدرة على ذلك لأحد سواه تعالى . ويتولد عن هذا العلم في القلب حالة هي انكسار وخضوع ، ويحصل منها في القلب أن يصير العبد مريدا لأن يصونه اللّه تعالى عن الآفات ويفيض عليه الخيرات ، ثم يصير بلسانه طالبا لذلك فيقول : « أعوذ باللّه » . فالركن الأعظم في الاستعاذة هو أن يعلم العبد أنّ اللّه تعالى عالم بكل المعلومات ، وإلا جاز أن لا يعلم حاله فتقع الاستعاذة عبثا ؛ وأن يعلم أنه قادر على جميع الممكنات ، وإلّا فربّما كان عاجزا عن تحصيل مراد العبد ؛ وأن يعلم أنه جواد معطاء ، وإلا لجاز أن يبخل بمقصوده ؛ وأن يعلم أنه لا يقدر أحد سوى اللّه على تحصيل مرامه ، وإلا لم يكن صادق الرغبة في الاستعاذة به . والحاصل أن العبد ما لم يعرف عزة الربوبية وذلّة العبودية لم تصح منه الاستعاذة . ومما يدلّ على ذلّة الإنسان وعجزه أن بعض الأكياس ربما يبقى في شبهة واحدة طول عمره ولا تنكشف له إلى أن يجيء بعده من يحلها . ولهذا وقع الاختلاف في الأديان والمذاهب ، ولولا إعانة اللّه تعالى وإرشاده لم تتخلص سفينة فكره من أمواج الضلالات . وأيضا كل واحد يريد أن يحصل له الدين الحق ولا يرضى لنفسه الجهل والكفر ، ولكم من مضلّ مبطل في الدنيا ، فلا خلاص من ظلمات الشبهات إلا بإعانة رب الأرض والسماوات . ولا يقع الحد الأوسط للمطالب في الذهن إلّا بهداية من بيده مفاتيح الخيرات . وأيضا البدن يشبه الجحيم وعليها تسعة عشر من الزبانية وهي : الحواس الخمس الظاهرة ، والخمس الباطنة ، والقوى الطبيعية السبع ، والشهوة ، والغضب ؛ ومجال تصرّف كلّ منها غير متناه بحسب الشخص والعدد ، ويحصل من كل منها أثر في القلب يجرّه من أوج عالم الروحانيات إلى حضيض الجسمانيات فلا خلاص للقلب عن هذه الظلمات إلا بنور اللّه تعالى . وأيضا كما أنه لا نهاية لمراتب الكمالات فلا نهاية لدرجات الحرص على اللذات الحسيات والخيالات ، وكما أنه لا يمكن تحصيل الكمالات التي لا نهاية لها فكذا لا يمكن إزالة مرض الحرص على اللذات فيجب الرجوع إلى واهب السعادات الحقيقيات . وفي بعض الكتب الإلهية قال اللّه تعالى : « وعزّتي وجلالي لأقطعنّ أمل من يؤمل غيري باليأس ، وألبسنه ثوب المذلة عند الناس ، ولأجنبنه من قربي ، ولأبعدنه من وصلي ، ولأجعلنه متفكرا حيران يؤمل غيري في الشدائد ، والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم ، ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب ، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني » . ثم الكلام في صحة الاستعاذة كالكلام في سائر الأدعية والعبادات التي جعلها اللّه تعالى سببا وواسطة لحصول الكمالات العاجلة والآجلة للعبد . وذلك أنه تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ هود : 107 ] خالق لما يشاء كما يشاء لا اعتراض لأحد من خلقه عليه وعلى أفعاله وعلى