حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

147

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

بذلك . فيجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم التفصيل ليقوم بواجبه علما وعملا ، لكنه فرض كفاية لقوله تعالى وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [ التوبة : 122 ] الآية . وأما المنزل على الأنبياء المتقدمين فالإيمان به واجب على الجملة لأن اللّه تعالى ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفتها مفصلة ، لكنها إن عرفنا شيئا من تفاصيلها فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل . الرابعة : الآخرة صفة الدار تلك الدار الآخرة وهي من الصفات الغالبة تأنيث الآخر نقيض الأول وكذلك الدنيا تأنيث الأدنى لأنها أقرب ، واليقين هو العلم بالشيء ضرورة أو استدلالا بعد أن كان صاحبه شاكا فيه ، ولذلك لا يوصف اللّه تعالى بأنه متيقن ولا يقال تيقنت أن السماء فوقي أو أني موجود . وفي تقديم الآخرة وبناء « يوقنون » على « هم » تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته ومن غير إيقان ، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل على محمد وعلى غيره من الأنبياء ، وهذا في معرض المدح ومعلوم أنه لا يمدح بتيقن وجود الآخرة فقط ، بل به وبما يتبعه من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « يا عجبا كل العجب من الشاك في اللّه وهو يرى خلقه ، وعجبا ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة ، وعجبا ممن ينكر البعث والنشور وهو كل يوم يموت ويحيا - يعني النوم واليقظة - وعجبا ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور ، وعجبا من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة » . البحث السابع : في قوله تعالى « أولئك على هدى من ربهم » الآية وفيه مسائل : الأولى : في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : أحدها نوى الابتداء « بالذين يؤمنون بالغيب » على سبيل الاستئناف و « أولئك على هدى » الجملة خبره ، كأنه لما قيل « هدى للمتقين » فخص المتقون بأن الكتاب لهم هدى ، اتجه لسائل أن يسأل فيقول : ما بال المتقين مخصوصين بذلك ؟ فأجيب بأن الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم اللّه ويعطيهم الفلاح . وهذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث نحو : قد أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان ، وتارة بإعادة صفته مثل : أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك . فيكون الاستئناف بإعادة الصفة كما في الآية أحسن وأبلغ لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه . وثانيها : أن يجعل « الذين » و « الذين » تابعا للمتقين ، ويقع الاستئناف على « أولئك » كأنه قيل : ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى ؟ فقيل : أولئك الموصوفون غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا . وثالثها : أن يجعل الموصول الأول صفة للمتقين ويرفع الثاني على الابتداء ، و « أولئك »