حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
114
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
285 ] والثاني كمال العبودية وهو الالتجاء إلى اللّه وطلب المغفرة منه غُفْرانَكَ رَبَّنا [ البقرة : 285 ] وواحد يتعلق بالمعاد وهو الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [ البقرة : 285 ] ويتفرع على هذه المراتب سبع مراتب في الدعاء والتضرع أولها رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] فضد النسيان هو الذكر وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [ الكهف : 24 ] وهذا الذكر إنما يحصل بقوله « بسم اللّه الرحمن الرحيم » . وثانيها رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [ البقرة : 286 ] ودفع الإصر والثقل يوجب « الحمد للّه رب العالمين » . وثالثها : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [ البقرة : 286 ] . وذلك إشارة إلى كمال رحمته « الرحمن الرحيم » ورابعها وَاعْفُ عَنَّا [ البقرة : 286 ] لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين « مالك يوم الدين » . وخامسها وَاغْفِرْ لَنا [ البقرة : 286 ] لأنا التجأنا بكليتنا إليك وتوكلنا في جميع الأمور عليك « إياك نعبد وإياك نستعين » . وسادسها وَارْحَمْنا [ البقرة : 286 ] لأنا طلبنا الهداية منك « اهدنا الصراط المستقيم » وسابعها أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [ البقرة : 286 ] « صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين » . فهذه المراتب ذكرها محمد صلى اللّه عليه وسلم في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج ، فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة ، فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت في عهد الرسول صلى اللّه عليه وسلم من المصدر إلى المظهر ، فلهذا السبب قال صلى اللّه عليه وسلم : « الصلاة معراج المؤمن » . المنهج الثاني : المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة : الشهوة والغضب والهوى . الشهوة بهيمية ، والغضب سبعية ، والهوى شيطانية أرضية ، ولهذا قال : فالشهوة آفة لكن الغضب أعظم منها ، والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه . قال تعالى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ [ النحل : 9 ] أي الشهوة ، والمنكر الغضب ، والبغي الهوى ، فبالشهوة يصير الإنسان ظالما لنفسه ، وبالغضب ظالما لغيره ، وبالهوى لربه ، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم « الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم عسى اللّه أن يتركه ، فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك باللّه ، والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضا ، والظلم الذي عسى اللّه أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه » ونتيجة الشهوة الحرص والبخل ، ونتيجة الغضب العجب والكبر ، ونتيجة الهوى الكفر والبدعة . ويحصل من اجتماع هذه الست في بني آدم خصلة سابعة هي الحسد وهو نهاية الأخلاق الذميمة ، كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة ، ولهذا السبب ختم اللّه تعالى مجامع الشرور الإنسانية بالحسد في قوله تعالى :