ابن قيم الجوزية

99

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

السجود ، فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف هناك ، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحا مقرونا بأنفاسهم لا يجدون له تعبا ولا نصبا . ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه التعبد فهو زنديق ، كافر باللّه ورسوله ، وإنما وصل إلى مقام الكفر باللّه ، والانسلاخ من دينه ، وكلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم ، والواجب عليه منها أكثر من الواجب على من دونه . ولهذا كان الواجب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم . والواجب على أولى العزم : أعظم من الواجب على من دونهم ، والواجب على أولى العلم : أعظم من الواجب على من دونهم ، وكل أحد بحسب مرتبته . فصل في انقسام العبودية إلى عامة وخاصة العبودية نوعان : عامة ، وخاصة . فالعبودية العامة : عبودية أهل السماوات والأرض كلهم للّه ، برّهم وفاجرهم ، مؤمنهم وكافرهم . فهذه عبودية القهر والملك . قال تعالى : 19 : 88 - 93 وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا . تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً . وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم . وقال تعالى : 25 : 17 وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . فَيَقُولُ : أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ فسماهم عباده مع ضلالهم ، لكن تسمية مقيدة بالإشارة ، وأما المطلقة فلم تجيء إلا لأهل النوع الثاني ، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه . وقال تعالى : 39 : 46 قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ