ابن قيم الجوزية
93
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ؟ أي مهملا . قال الشافعي : لا يؤمر ولا ينهى ، وقال غيره : لا يثاب ولا يعاقب ، والصحيح : الأمران . فإن الثواب والعقاب مترتب على الأمر والنهي والأمر والنهي هو طلب العبادة وإرادتها ، وحقيقة العبادة امتثالهما . وقال تعالى : 3 : 191 وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ . فَقِنا عَذابَ النَّارِ وقال 15 : 85 وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وقال 45 : 22 وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ، وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ . فأخبر أنه خلق السماوات والأرض بالحق المتضمن : أمره ونهيه ، وثوابه وعقابه . فإذا كانت السماوات والأرض وما بينهما خلقت لهذا ، وهو غاية الخلق ، فكيف يقال : إنه لا علة له ، ولا حكمة مقصودة هي غايته ؟ أو إن ذلك لمجرد استئجار العباد حتى لا ينكّد عليهم الثواب بالمنة ، أو لمجرد استعداد النفوس للمعارف العقلية . وارتياضها بمخالفة العوائد ؟ . فليتأمل اللبيب الفرقان بين هذه الأقوال ، وبين ما دل عليه صريح الوحي يجد أن أصحاب هذه الأقوال ما قدروا اللّه حق قدره ، ولا عرفوه حق معرفته . فاللّه تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته . مع الخضوع له والانقياد لأمره . فأصل العبادة : محبة اللّه ، بل إفراده بالمحبة ، وأن يكون الحب كله للّه . فلا يحب معه سواه ، وإنما يحب لأجله وفيه ، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه ، فمحبتنا لهم من تمام محبته ، وليست محبة معه ، كمحبة من يتخذ من دون اللّه أندادا يحبونهم كحبه .