ابن قيم الجوزية

84

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

والأفضل في وقت الوقوف بعرفة : الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك . والأفضل في أيام عشر ذي الحجة : الإكثار من التعبد ، لا سيما التكبير والتهليل والتحميد . فهو أفضل من الجهاد غير المتعين . والأفضل في العشر الأخير من رمضان : لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم ، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن ، عند كثير من العلماء . والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته : عيادته ، وحضور جنازته وتشييعه ، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك . والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك : أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم ، دون الهرب منهم . فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه . والأفضل خلطتهم في الخير فهي خير من عزلتهم فيه ، وعزلتهم في الشر ، فهي أفضل من خلطتهم فيه . فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فخلطتهم حينئذ أفضل من عزلتهم . فالأفضل في كل وقت وحال : إيثار مرضاة اللّه في ذلك الوقت والحال . والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه . وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق . والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد . فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقض وترك عبادته . فهو يعبد اللّه على وجه واحد . وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره ، بل غرضه تتبع مرضاة اللّه تعالى أين كانت . فمدار تعبده عليها . فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية ، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها ، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى . فهذا دأبه في