ابن قيم الجوزية

81

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

إليه ، وقالوا : هو أفضل من درجة العلم والعبادة ، فرأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها . وخواصهم رأوا هذا مقصودا لغيره ، وأن المقصود به عكوف القلب على اللّه ، وجمع المهمة عليه ، وتفريغ القلب لمحبته ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه ، والاشتغال بمرضاته . فرأوا أن أفضل العبادات في الجمعية على اللّه ، ودوام ذكره بالقلب واللسان ، والاشتغال بمراقبته ، دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت له . ثم هؤلاء قسمان : فالعارفون المتبعون منهم : إذا جاء الأمر والنهي بادروا إليه ولو فرّقهم وأذهب جمعيتهم . والمنحرفون منهم يقولون : المقصود من العبادة جمعية القلب على اللّه . فإذا جاء ما يفرقه عن اللّه لم يلتفت إليه . وربما يقول قائلهم : يطالب بالأوراد من كان غافلا * فكيف بقلب كل أوقاته ورد ؟ ثم هؤلاء أيضا قسمان : منهم من يترك الواجبات والفرائض لجمعيته ، ومنهم من يقوم بها ، ويترك السنن والنوافل ، وتعلم العلم النافع لجمعيته . وسأل هؤلاء شيخا عارفا فقال : إذا أذن المؤذن وأنا في جمعيتي على اللّه ، فإن قمت وخرجت تفرقت ، وإن بقيت على حالي بقيت على جمعيتي ، فما الأفضل في حقي ؟ . فقال : إذا أذن المؤذن وأنت تحت العرش فقم ، وأجب داعي اللّه ، ثم عد إلى موضعك . وهذا لأن الجمعية على اللّه : حظ الروح والقلب ، وإجابة الداعي : حق الرب ، ومن آثر حظ روحه على حق ربه فليس من أهل « إياك نعبد » . الصنف الثالث : رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعد ، فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر ، فرأوا خدمة الفقراء ، والاشتغال بمصالح