ابن قيم الجوزية
79
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وفي قوله 4 : 125 وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فلا يقبل اللّه من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه على متابعة أمره ، وما عدا ذلك فهو مردود على عامله ، يعود عليه أحوج ما هو إليه هباء منثورا . وفي الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد » وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من اللّه إلا بعدا . فإن اللّه تعالى إنما بعبد بأمره ، لا بالآراء والأهواء . فصل الضرب الثاني : من لا إخلاص له ولا متابعة . فليس عمله موافقا لشرع ، ولا هو خالصا للمعبود ، كأعمال المتزينين للناس المرائين لهم بما لم يشرعه اللّه ورسوله . وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى اللّه عز وجل . ولهم أوفر نصيب من قوله 3 : 188 لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا . فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة والشرك ، ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص . وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصراط المستقيم ، فإنهم يرتكبون البدع والضلالات ، والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الاتباع والإخلاص والعلم . فهم أهل الغضب والضلال . الضرب الثالث : من هو مخلص في أعماله ، لكنها على غير متابعة الأمر ، كجهال العباد ، والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر ، وكل من عبد اللّه بغير أمره ، واعتقده قربة إلى اللّه فهذا حاله ، كمن يظن أن سماع المكاء والتصدية قربة ، وأن الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربة ، وأن مواصلة صوم النهار بالليل قربة ، وأن صيام يوم فطر الناس كلهم قربة . وأمثال ذلك .