ابن قيم الجوزية
689
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
معه صرة فيها مسك ، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها . وإن ريح الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك . وأمركم بالصدقة . فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه ، وقدموه ليضربوا عنقه . فقال : أنا أفديه منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم . وأمركم أن تذكروا اللّه . فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا ، حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم . كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر اللّه ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : وأنا آمركم بخمس اللّه أمرني بهن : السمع والطاعة . والجهاد . والهجرة . والجماعة . فإن من فارق الجماعة قيد شبر ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، إلا أن يراجع . ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثاء جهنم . فقال رجل : يا رسول اللّه ، وإن صلى وصام ؟ قال : وإن صلى وصام . فادعوا بدعوى اللّه الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد اللّه » قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب صحيح . وقال البخاري : الحارث الأشعري له صحبة . وله غير هذا الحديث . فقد أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الحديث أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر اللّه . وهذا بعينه هو الذي دلت عليه سورة قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ فإنه وصف الشيطان فيها بأنه الخناس الذي إذا ذكر العبد اللّه انخنس ، وتجمع وانقبض . وإذا غفل عن ذكر اللّه التقم القلب وألقى إليه الوساوس التي هي مبادئ الشر كله . فما أحرز العبد نفسه من الشيطان بمثل ذكر اللّه عز وجل . الحرز التاسع : الوضوء والصلاة . وهذا من أعظم ما يتحرز به منه ، ولا سيما عند توارد قوة الغضب والشهوة . فإنها نار تغلي في قلب ابن آدم . كما في الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم ، أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه ؟ فمن أحسّ بشيء من ذلك فليلصق بالأرض » . و في أثر آخر « إن الشيطان خلق من نار ، وإنما تطفأ النار بالماء » فما