ابن قيم الجوزية
683
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فالصواب : القول الثاني . وهو أن قوله : مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بيان للذي يوسوس ، وأنهم نوعان إنس وجن . فالجني يوسوس في صدور الإنس ، والإنسي أيضا يوسوس في صدور الإنس . فالموسوس نوعان : إنس وجن فإن الوسوسة هي الإلقاء الخفي في القلب . وهذا مشترك بين الجن والإنس ، وإن كان إلقاء الإنسي وسوسته إنما هي بواسطة الأذن ، والجني لا يحتاج إلى تلك الواسطة . لأنه يدخل في ابن آدم ، ويجرى منه مجرى الدم . على أن الجني قد يتمثل له ، ويوسوس إليه في أذنه كالإنسي ، كما في البخاري عن عروة عن عائشة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن الملائكة تحدث في العنان - والعنان الغمام - بالأمر يكون في الأرض ، فتستمع الشياطين الكلمة ، فتقرها في أذن الكاهن ، كما تقر القارورة ، فيزيدون معها مائة كذبة من عند أنفسهم » . فهذه وسوسة وإلقاء من الشيطان بواسطة الأذن . ونظير اشتراكهما في هذه الوسوسة : اشتراكهما في الوحي الشيطاني . قال تعالى : 6 : 112 وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً . فالشيطان يوحي إلى الإنسي باطله ، ويوحيه الإنسي إلى إنسي مثله . فشياطين الإنس والجن يشتركان في الوحي الشيطاني . ويشتركان في الوسوسة . وعلى هذا : تزول تلك الإشكالات والتعسفات التي ارتكبها أصحاب القول الأول . وتدل الآية على الاستعاذة من شر نوعي الشياطين : شياطين الإنس ، وشياطين الجن . وعلى القول الأول : إنما تكون استعاذة من شر شياطين الجن فقط . فتأمله فإنه بديع جدا .