ابن قيم الجوزية

661

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فمن كان ربهم وملكهم وإلههم فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره ، ولا يستنصروا بسواه ولا يلجئوا إلى غير حماه ، فهو كافيهم وحسبهم وناصرهم ووليهم ، ومتولي أمورهم جميعا بربوبيته وملكه وإلهيته لهم ، فكيف لا يلتجئ العبد عند النوازل ونزول عدوه به إلى ربه ومالكه وإلهه ؟ . فظهرت مناسبة هذه الإضافات الثلاث للاستعاذة : من أعدى الأعداء وأعظمهم عداوة ، وأشدهم ضررا ، وأبلغهم كيدا . ثم إنه سبحانه كرر الاسم الظاهر ، ولم يوقع المضر موقعه . فيقول : رب الناس وملكهم وإلههم : تحقيقا لهذا المعنى ، وتقوية له . فأعاد ذكرهم عند كل اسم من أسمائه ، ولم يعطف بالواو لما فيها من الإيذان بالمغايرة . والمقصود : الاستعاذة بمجموع هذه الصفات ، حتى كأنها صفة واحدة . وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب . وأخر الإلهية لخصوصها لأنه سبحانه إنما هو إله من عبده ووحده واتخذه دون غيره إلها . فمن لم يعبده ويوحده فليس بإلهه . وإن كان في الحقيقة لا إله له سواه ، ولكن المشرك ترك إلهه الحق واتخذ إلها غيره باطلا . ووسّط صفة الملك بين الربوبية والإلهية لأن الملك هو المتصرف بقوله وأمره . فهو المطاع إذا أمر . وملكه لهم تابع لخلقه إياهم . فملكه من كمال ربوبيته . وكونه إلههم الحق من كمال ملكه . فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه . وملكه يستلزم إلهيته : يقتضيها ، فهو الرب الحق ، الملك الحق ، الإله الحق ، خلقهم بربوبيته وقهرهم بملكه . واستعبدهم بإلهيته . فتأمل هذه الجلالة ، وهذه العظمة ، التي تضمنتها هذه الألفاظ الثلاثة على أبدع نظام ، وأحسن سياق « رب الناس ، ملك الناس ، إله الناس » . وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان ،