ابن قيم الجوزية

655

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وهذا مع ما يحصل له بذلك من نصر اللّه ومعيته الخاصة . كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للذي شكا إليه قرابته ، وأنه يحسن إليهم ، وهم يسيئون إليه . فقال « لا يزال معك من اللّه ظهير ، ما دمت على ذلك » . هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه ، ويصيرون كلهم معه على خصمه . فإن كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير ، وهو مسيء إليه . وجد قلبه وداءه وهمته مع المحسن على المسئ . وذلك أمر فطري ، فطر اللّه عليه عباده . فهو بهذا الإحسان ، قد استخدم عسكرا لا يعرفهم ولا يعرفونه ، ولا يريدون منه إقطاعا ولا خبزا . هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين : إما أن يملكه بإحسانه ، فيستعبده وينقاد له ، ويذل له ، ويبقى الناس إليه . وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره ، إن أقام على إساءته إليه . فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه ، ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة . واللّه هو الموفق والمعين . بيده الخير كله ، لا إله غيره ، وهو المسؤول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك بمنه وكرمه . وفي الجملة : ففي هذا المقام من الفوائد ما يزيد على مائة منفعة للعبد عاجلة وآجلة . سنذكرها في موضع آخر إن شاء اللّه تعالى . السبب العاشر : وهو الجامع لذلك كله ، وعليه مدار هذه الأسباب ، وهو تجريد التوحيد ، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم ، والعلم بأن هذه الآلات بمنزلة حركات الرياح ، وهي بيد محركها ، وفاطرها وبارئها ، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه . فهو الذي يحسن عبده بها . وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه . قال تعالى : 10 : 107 وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما « واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه اللّه لك ، ولو اجتمعوا على