ابن قيم الجوزية
649
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
اللَّهُ فإذا كان اللّه قد ضمن له النصر ، مع أنه قد استوفى حقه أولا ، فكيف بمن لم يستوف شيئا من حقه ، بل بغى عليه وهو صابر ؟ وما من الذنوب ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم . وقد سبقت سنة اللّه : أنه لو بغى جبل على جبل لجعل الباغي منهما دكا . السبب الرابع : التوكل على اللّه . فمن يتوكل على اللّه فهو حسبه . والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم . وهو من أقوى الأسباب في ذلك . فإن اللّه حسبه ، أي كافيه . ومن كان اللّه كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ، ولا يضره إلا أذى لا بد منه ، كالحر والبرد ، والجوع والعطش ، وإما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا . وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له ، وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه ، وبين الضرر الذي يتشفى به منه . قال بعض السلف : جعل اللّه لكل عمل جزاء من جنسه ، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده ، فقال : 65 : 3 وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ولم يقل : نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال ، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه ، وواقيه ، فلو توكل العبد على اللّه حق توكله وكادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل له ربه مخرجا من ذلك ، وكفاه ونصره . وقد ذكرنا حقيقة التوكل وفوائده ، وعظم منفعته ، وشدة حاجة العبد إليه في « كتاب الفتح القدسي » وذكرنا هناك فساد من جعله من المقامات المعلولة ، وأنه من مقامات العوام . وأبطلنا قوله من وجوه كثيرة . وبينا أنه من أجلّ مقامات العارفين ، وأنه كلما علا مقام العبد كانت حاجته إلى التوكل أعظم وأشد ، وأنه على قدر إيمان العبد يكون توكله . وإنما المقصود هنا ذكر الأسباب التي يندفع بها شر الحاسد ، والعائن ، والساحر ، والباغي .