ابن قيم الجوزية

642

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وبقي قسم ينفرد به شياطين الجن ، وهو الوسوسة في القلب . فذكره في السورة الأخرى ، كما سيأتي الكلام عليها إن شاء اللّه . فالحاسد والساحر يؤذيان المحسود والمسحور بلا عمل منه . بل هو أذى من أمر عنه . ففرق بينهما في الذكر في سورة الفلق . والوسواس إنما يؤذي العبد من داخل بواسطة مساكنته له ، وقبوله منه . ولهذا يعاقب العبد على الشر الذي يؤذيه به الشيطان من الوساوس التي تقترن بها الأفعال ، والعزم الجازم . لأن ذلك بسعيه وإرادته ، بخلاف شر الحاسد والساحر فإنه لا يعاقب عليه . إذ لا يضاف إلى كسبه ولا إرادته . فلهذا أفرد شر الشيطان في سورة ، وقرن بين شر الساحر والحاسد في سورة . وكثيرا ما يجتمع في القرآن الحسد والسحر للمناسبة . ولهذا كان اليهود أسحر الناس وأحسدهم . فإنهم لشدة خبثهم : فيهم من السحر والحسد ما ليس في غيرهم . وقد وصفهم اللّه في كتابه بهذا وهذا . فقال : 2 : 102 وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ . وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ، وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ، يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ . وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ . وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا : إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ ، فَلا تَكْفُرْ . فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ . وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ . وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . والكلام على أسرار هذه الآية وأحكامها وما تضمنته من القواعد والرد على من أنكر السحر ، وما تضمنته من الفرقان بين السحر وبين المعجزات الذي أنكره من أنكر السحر خشية الالتباس . وقد تضمنت الآية أعظم الفرقان بينهما - في موضع غير هذا . وإذ المقصود الكلام على أسرار هاتين السورتين وشدة حاجة الخلق إليهما ، وأنه لا يقوم غيرهما مقامهما .