ابن قيم الجوزية
639
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فصل والعاين والحاسد يشتركان في شيء ، ويفترقان في شيء . فيشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه ، وتتوجه نحو من يريد أذاه . فالعائن : تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته . والحاسد : يحصل له ذلك عند غيبة المحسود وحضوره أيضا . ويفترقان في أن العائن قد يصيب من لا يحسده ، من جماد أو حيوان ، أو زرع أو مال ، وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه . وربما أصابت عينه نفسه . فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق ، مع تكيف نفسه بتلك الكيفية : تؤثر في العين . وقد قال غير واحد من المفسرين في قوله تعالى : 58 : 51 وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ : إنه الإصابة بالعين . أرادوا أن يصيبوا بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فنظر إليه قوم من العائنين ، وقالوا : ما رأينا مثله ، ولا مثل حجته . وكان طائفة منهم تمر به الناقة والبقرة السمينة فيعينها ، ثم يقول لخادمه : خذ المكتل والدرهم وائتنا بشيء من لحمها . فما تبرح حتى تقع . فتنحر . وقال الكلبي : كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل ، ثم يرفع جانب خبائه ، فتمر به الإبل ، فيقول : لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه . فما تذهب إلا قليلا حتى يسقط منها طائفة . فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالعين ، ويفعل به كفعله في غيره . فعصم اللّه رسوله وحفظه . وأنزل عليه وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ هذا قول طائفة . وقالت طائفة أخرى ، منهم ابن قتيبة : ليس المراد : أنهم يصيبونك