ابن قيم الجوزية

629

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

و قد روى البخاري من حديث ابن عيينة قال : « أول من حدثنا به ابن جريج يقول : حدثني آل عروة عن عروة . فسألت هشاما عنه ؟ فحدثنا عن أبيه عن عائشة : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سحر ، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن . قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر ، إذا كان كذا . فقال : يا عائشة ، أعلمت أن اللّه قد أفتاني فيما استفتيته فيه ؟ أتاني رجلان ، فقعد أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي . فقال الذي عند رأسي للآخر : ما بال الرجل ؟ قال : مطبوب . قال : ومن طبّه ؟ قال : لبيد بن الأعصم ، رجل من بني زريق حليف ليهود . وكان منافقا . قال : وفيم ؟ قال : في مشط ومشاقة . قال : وأين ؟ قال في جفّ طلع ذكر ، تحت راعوفة في بئر ذروان . قال : فأتي البئر حتى استخرجه . فقال : هذه البئر التي أريتها ، وكأنّ ماءها نقاعة الحناء ، وكأن نخلها رؤوس الشياطين . قال : فاستخرج . قالت . فقلت : أفلا - أي تنشّرت - ؟ قال : أمّا اللّه فقد شفاني ، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا » . ففي هذا الحديث : أنه استخرجه . وترجم البخاري عليه : باب هل يستخرج السحر . وقال قتادة : قلت لسعيد بن المسيب : رجل به طبّ ، ويؤخذ عن امرأته أيحلّ عنه وينشر ؟ قال : لا بأس به ، إنما يريدون به الإصلاح . فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه . فهذان الحديثان قد يظن في الظاهر تعارضهما . فإن حديث عيسى عن هشام عن أبيه : الأول فيه : أنه لم يستخرجه . وحديث ابن جريج عن هشام فيه « أنه استخرجه » ولا تنافي بينهما . فإنه استخرجه من البئر حتى رآه وعلمه ، ثم دفنه بعد أن شفي . وقول عائشة « هلا استخرجته ؟ » أي هلا أخرجته للناس حتى يروه ويعاينوه ؟ فأخبرها بالمانع له من ذلك ، وهو أن المسلمين لم يكونوا ليسكتوا عن ذلك ، فيقع الإنكار ، ويغضب للساحر قومه ، فيحدث الشر . وقد حصل المقصود بالشفاء والمعافاة . فأمر بها