ابن قيم الجوزية
617
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
الرحمة والإحسان ، ومكافأة الصنع الجميل بمثلة وزيادة . فإذا وضع العقوبة موضع ذلك استنكرته فطرهم وعقولهم أشد الاستنكار ، واستهجنته أعظم الاستهجان . وكذلك وضع الإحسان والرحمة والإكرام في موضع العقوبة والانتقام ، كما إذا جاء إلى من يسيء إلى العالم بأنواع الإساءة في كل شيء من أموالهم وحريمهم ودمائهم ، فأكرمه غاية الإكرام ، ورفعه وكرمه . فإن الفطر والعقول تأبى استحسان هذا ، وتشهد على سفه من فعله . هذه فطرة اللّه التي فطر الناس عليها . فما للعقول والفطر لا تشهد حكمته البالغة ، وعزته وعدله في وضع عقوبته في أولى المحال بها ، وأحقها بالعقوبة ؟ وأنها لو أوليت النعم لم تحسن بها ، ولم تلق ، ولظهرت مناقضة الحكمة ، كما قال الشاعر : نعمة اللّه لا تعاب ، ولكن * ربما استقبحت على أقوام فهكذا نعم اللّه لا تليق ولا تحسن ولا تجمل بأعدائه الصادين عن سبيله الساعين في خلاف مرضاته ، الذين يرضون إذا غضب ، ويغضبون إذا رضي ، ويعطلون ما حكم به ، ويسعون في أن تكون الدعوة لغيره ، والحكم لغيره ، والطاعة لغيره . فهم مضادون له في كل ما يريد ، يحبون ما يبغضه ، ويدعون إليه . ويبغضون ما يحبه وينفرون عنه ، ويوالون أعداءه وأبغض الخلق إليه ، ويظاهرونهم عليه وعلى رسوله : كما قال تعالى : 25 : 55 وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً وقال : 18 : 50 وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ ، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ . أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي ، وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ؟ . فتأمل ما تحت هذا الخطاب الذي يسلب الأرواح حلاوة وعقابا وجلالة وتهديدا كيف صدره باخبارنا : أنه أمر إبليس بالسجود لأبينا فأبى ذلك ، فطرده