ابن قيم الجوزية

615

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

مبادئ معرفتها ، فضلا عن حقيقتها ، فيكفيهم الإيمان المجمل بأن اللّه سبحانه هو الغني الحميد ، وفاعل الشر لا يفعله إلا لحاجته المنافية لغناه ، أو لنقصه وعيبه المنافي لحمده . فيستحيل صدور الشر من الغني الحميد فعلا . وإن كان هو الخالق للخير والشر . فقد عرفت أن كونه شرا هو أمر إضافي ، وهو في نفسه خير من جهة نسبته إلى خالقه ومبدعة . فلا تغفل عن هذا الموضع فإنه يفتح لك بابا عظيما من معرفة الرب ومحبته . ويزيل عنك شبهات حارت فيها عقول أكثر الفضلاء . وقد بسطت هذا في كتاب « التحفة المكية » وكتاب « الفتح القدسي » وغيرهما . وإذا أشكل عليك هذا فأنا أوضحه لك بأمثلة . أحدهما : أن السارق إذا قطعت يده فقطعها شر بالنسبة إليه ، وخير محض بالنسبة إلى عموم الناس لما فيه من حفظ أموالهم ، ودفع الضرر عنهم ، وخير بالنسبة إلى متولي القطع أمرا وحكما ، لما في ذلك من الإحسان إلى عبيده عموما بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم المضرّ بهم . فهو محمود على حكمه بذلك ، وأمره به مشكور عليه يستحق عليه الحمد من عباده ، والثناء عليه والمحبة له . وكذلك الحكم بقتل من يصول عليهم في دمائهم وحرماتهم ، وجلد من يصول عليهم في أعراضهم . فإذا كان هذا عقوبة من يصول عليهم في دنياهم فكيف عقوبة من يصول على أديانهم ، ويحول بينهم وبين الهدى الذي بعث اللّه به رسله وجعله سعادة العباد في معاشهم ومعادهم منوطة به ؟ أفليس في عقوبة هذا الصائل خير محض ، وحكمة وعدل ، وإحسان إلى العبيد ؟ وهي شر بالنسبة إلى الصائل الباغي .