ابن قيم الجوزية

613

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فتأمل أيهما أليق بالحديث وأولى به . فإن مع كل واحد منهما نوعا من الترجيح . فيترجح الأول بأن منشأ الأعمال السيئة من شر النفس . فشر النفس يولد الأعمال السيئة ، فاستعاذ من صفة النفس ، ومن الأعمال التي تحدث عن تلك الصفة . وهذان جماع الشر ، وأسباب كل ألم . فمتى عوفي منهما عوفي من الشر بحذافيره . ويترجح الثاني : بأن سيئات الأعمال هي العقوبات التي تسوء العامل ، وأسبابها شر النفس ، فاستعاذ من العقوبات والآلام وأسبابها . والقولان في الحقيقة متلازمان . والاستعاذة من أحدهما تستلزم الاستعاذة من الآخر . فصل ولما كان الشر له سبب : هو مصدره ، وله مورد ومنتهى . وكان السبب إما من ذات العبد ، وإما من خارج . ومورده ومنتهاه إما نفسه وإما غيره : كان هنا أربعة أمور : شر مصدره من نفسه ، ويعود على نفسه تارة ، وعلى غيره أخرى . وشر مصدره من غيره ، وهو السبب فيه . ويعود على نفسه تارة ، وعلى غيره أخرى - جمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه المقامات الأربعة في الدعاء الذي علمه الصديق رضي اللّه عنه : أن يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه « اللهم فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، ربّ كل شيء ومليكه ، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه ، وأن اقترف على نفسي سوءا ، أو أجرّه إلى مسلم » فذكر مصدري الشر ، وهما النفس والشيطان وذكر مورديه ونهايتيه ؛ وهما عوده على النفس ، أو على أخيه المسلم . فجمع الحديث مصادر الشر وموارده في أوجز لفظ وأحضره وأجمعه وأبينه .