ابن قيم الجوزية

611

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وضلع الدين ، وقهر الرجال : قرينان . وهما مؤلمان للنفس معذبان لها . أحدهما : قهر بحق ، وهو ضلع الدين . والثاني : قهر بباطل ، وهو غلبة الرجال . وأيضا : فضلع الدين . قهر بسبب من العبد في الغالب . وغلبة الرجال قهر بغير اختياره . ومن ذلك تعوذه صلّى اللّه عليه وسلّم « من المأثم والمغرم » فإنهما يسببان الألم العاجل . ومن ذلك قوله : « أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك » فالسخط : سبب الألم ، والعقوبة : هي الألم ، فاستعاذ من أعظم الآلام وأقوى أسبابها . فصل والشر المستعاذ منه نوعان . أحدهما : موجود ، يطلب رفعه . والثاني : معدوم ، يطلب بقاؤه على العدم ، وأن لا يوجد . كما أن الخير المطلق نوعان . أحدهما : موجود فيطلب دوامه وثباته وأن لا يسلبه . والثاني : معدوم فيطلب وجوده وحصوله . فهذه أربعة هي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين . وعليها مدار طلباتهم . وقد جاءت هذه المطالب الأربعة في قوله تعالى حكاية عن دعاء عباده في آخر آل عمران في قولهم : رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ : أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ . فَآمَنَّا ، رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا فهذا الطلب لدفع الشر الموجود . فإن الذنوب والسيئات شر ، كما تقدم بيانه . ثم قال : وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ فهذا طلب لدوام الخير الموجود وهو الإيمان حتى يتوفاهم عليه . فهذان قسمان .