ابن قيم الجوزية
601
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
كان يأمرها . وفرق بين الأمرين . ولا يلزم من كون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد أقرها على رقيته أن يكون هو مسترقيا . فليس أحدهما بمعنى الآخر . ولعل الذي كان يأمرها به : إنما هو المسح على نفسه بيده . فيكون هو الراقي لنفسه ويده لما ضعفت عن التنقل على سائر بدنه أمرها أن تنقلها على بدنه . ويكون هذا غير قراءتها هي عليه ، ومسحها على بدنه . فكانت تفعل هذا وهذا . والذي أمرها به إنما هو نقل يده لا رقيته . واللّه أعلم . والمقصود : الكلام على هاتين السورتين . وبيان عظيم منفعتهما ، وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما . وأنه لا يستغني عنهما أحد قط ، وأن لهما تأثيرا خاصا في دفع السحر والعين ، وسائر الشرور ، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس ، فنقول واللّه المستعان : قد اشتملت السورتان على ثلاثة أصول . وهي أصول الاستعاذة . أحدها : نفس الاستعاذة . والثانية : المستعاذ به . والثالثة : المستعاذ منه . فبمعرفة ذلك تعرف شدة الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين . فنعقد لهما ثلاثة فصول : الفصل الأول : في الاستعاذة . والثاني : في المستعاذ به . والثالث في المستعاذ منه . الفصل الأول اعلم أن لفظة « عاذ » وما تصرف منها تدل على التحرز والتحصن والنجاة . وحقيقة معناها : الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه . ولهذا يسمى المستعاذ به : معاذا ، كما يسمى : ملجأ ووزرا .