ابن قيم الجوزية
548
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فاشتملت هذه الآيات على ثلاثة أمثال : مثل للكفار . ومثلين للمؤمنين . فيتضمن مثل الكفار أن الكافر يعاقب على كفره وعداوته للّه ورسوله وأوليائه ، ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين عن لحمة نسب ، أو وصلة صهر ، أو سبب من أسباب الاتصال . فإن الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلا باللّه وحده على أيدي رسله ، فلو نفعت وصلة القرابة والمصاهرة أو النكاح مع عدم الايمان ، لنفعت الوصلة التي كانت بين نوح ولوط وامرأتيهما فلما لم يغنيا عنهما من اللّه شيئا ، وقيل : ادخلا النار مع الداخلين . قطعت الآية حينئذ طمع من ركب معصية اللّه ، وخالف امره ، ورجا أن ينفعه صلاح غيره من قريب أو أجنبي ، ولو كان بينهما في الدنيا أشد الاتصال . فلا اتصال فوق اتصال البنوة والأبوة والزوجية ، ولم يغن نوح عن ابنه ، ولا إبراهيم عن أبيه ، ولا نوح ولا لوط عن امرأتيهما من اللّه شيئا . قال اللّه تعالى : 60 : 3 لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ ، يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وقال تعالى : 82 : 19 يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وقال تعالى : 2 : 48 وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً * وقال : 31 : 33 وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً . إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وهذا كله تكذيب لإطماع المشركين الباطلة : أن ما تعلقوا به من دون اللّه من قرابة ، أو صهر ، أو نكاح أو صحبة ينفعهم يوم القيامة ، أو يجيرهم من عذاب اللّه ، أو يشفع لهم عند اللّه . وهذا أصل ضلال بني آدم ، وشركهم ، وهو الشرك الذي لا يغفره اللّه . وهو الذي بعث اللّه جميع رسله وأنزل جميع كتبه بإبطاله ، ومحاربة أهله ، ومعاداتهم .