ابن قيم الجوزية

54

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فصل وأما المفصل : فمعرفة المذاهب الباطلة ، واشتمال كلمات الفاتحة على إبطالها . فنقول : الناس قسمان : مقر بالحق تعالى ، وجاحد له ، فتضمنت الفاتحة إثبات الخالق تعالى والرد على من جحده بإثبات ربوبيته تعالى للعالمين وتأمل حال العالم كله علوية وسفليه بجميع أجزائه تجده شاهدا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه ، فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العلم وجحده ، لا فرق بينهما ، بل دلالة الخالق على المخلوق ، والفعال على الفعل ، والصانع على أحوال المصنوع عند العقول الزاكية المشرقة العلوية ، والفطر الصحيحة : أظهر من العكس . فالعارفون أرباب البصائر يستدلون باللّه على أفعاله وصنعه ، إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه ، ولا ريب أنهما طريقان صحيحان ، كل منهما حق والقرآن مشتمل عليهما . فأما الاستدلال بالصنعة فكثير ، وأما الاستدلال بالصانع فله شأن . وهو الذي أشارت إليه الرسل بقولهم لأممهم : 14 : 10 أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ ؟ أي أيشك في اللّه حتى يطلب إقامة الدليل على وجوده ؟ وأي دليل أصح وأظهر من هذا المدلول ؟ فكيف يستدل على الأظهر بالأخفى ؟ ثم نبهوا على الدليل بقولهم فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء ؟ وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت : وليس يصح في الأذهان شيء * إذا احتاج النهار إلى الدليل ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار ،