ابن قيم الجوزية

527

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

بعبارة لطيفة وجيزة ، فقال : المعنى سبح ناطقا باسم ربك ، متكلما به . وكذا سبح اسم ربك : المعنى : سبح ربك ذاكرا اسمه . وهذه الفائدة تساوي رحلة ، ولكن لمن يعرف قدرها . فالحمد للّه المنان بفضله ونسأله تمام نعمته . حجة ثالثة لهم : قالوا : قال تعالى : 12 : 40 ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها وإنما عبدوا مسمياتها . والجواب : أنه كما قلتم : إنهم إنما عبدوا المسميات ، ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة ، كاللاتي والعزى ، وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة ، لا مسمى لها في الحقيقة . فإنهم سموها آلهة . وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها . وليس لها من الإلهية إلا مجرد الأسماء ، لا حقيقة المسمى . فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها . وهذا كمن سمى قشور البصل لحما ، وأكلها ، فيقال له : ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه . وكمن سمى التراب خبزا ، وأكله . يقال : ما أكلت إلّا اسم الخبز ، بل هذا النفي أبلغ في نفي الإلهية آلهتهم . فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه . وما الحكمة ثمّ إلّا مجرد الاسم . فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى . فإن قيل : فما الفائدة في دخول الباء في قوله : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ولم تدخل في قوله : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ؟ . قيل : التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد ، دون معنى آخر . ويراد به مع ذلك الصلاة . وهو ذكر وتنزيه مع عمل . ولهذا تسمى الصلاة تسبيحا . فإذا أريد التسبيح المجرد ، فلا معنى للباء . لأنه لا يتعدى بحرف جر ، لا تقول : سبحت باللّه . وإذا أردت المقرون بالفعل ، وهو الصلاة ، أدخلت الباء ، تنبها على ذلك المراد ، كأنك قلت : سبح مفتتحا باسم ربك ، أو ناطقا باسم ربك . كما تقول : صلّ مفتتحا ، أو ناطقا باسمه ، ولهذا السر -