ابن قيم الجوزية
492
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وقد اختلف المفسرون في الذرية في هذه الآية ، هل المراد بها الصغار أو الكبار أو النوعان ؟ على ثلاثة أقوال . واختلافهم مبني على أن قوله : « بإيمان » حال من الذرية التابعين أو المؤمنين المتبوعين . فقالت طائفة : المعنى والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم في إيمانهم فأتوا من الإيمان بمثل ما أتوا به ألحقناهم بهم في الدرجات . قالوا : ويدل على هذا قراءة من قرأ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ فجعل الفعل في الاتباع لهم . قالوا : وقد أطلق اللّه سبحانه الذرية على الكبار ، كما قال : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وقال : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وقال : وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ، أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ؟ وهذا قول لكبار العقلاء . قالوا : ويدل على ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس يرفعه « إن اللّه يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل ، لتقرّ بهم عينه » فهذا يدل على أنهم دخوا بأعمالهم ، ولكن لم يكن لهم أعمال يبلغوا بها درجة آبائهم . فبلّغهم إياها ، وإن تقاصر عملهم عنها . قالوا : وأيضا فالإيمان هو القول والعمل والنية . وهذا إنما يمكن من الكبار ، وعلى هذا فيكون المعنى : أن اللّه سبحانه يجمع ذرية المؤمن إليه إذا أتوا من الإيمان بمثل إيمانه ، إذ هذا حقيقة التبعية ، وإن كانوا دونه في الإيمان ، رفعهم اللّه إلى درجته إقرارا لعينه ، وتكميلا لنعيمه . وهذا كما أن زوجات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معه في الدرجة تبعا ، وإن لم يبلغوا تلك الدرجة بأعمالهن . وقالت طائفة أخرى : الذرية هاهنا الصغار . والمعنى : والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم في إيمان الآباء . والذرية تتبع الآباء . وإن كانوا صغارا في الإيمان وأحكامه من الميراث ، والدية والصلاة عليهم ، والدفن في قبور المسلمين ، وغير ذلك ، إلّا فيما كان من أحكام البالغين . ويكون قوله : « بإيمان » على هذا في موضع نصب على الحال من المفعولين ، أي وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان الآباء .