ابن قيم الجوزية

489

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

العاشر : أنه سمين لا هزيل . فمعلوم أن ذلك من أفخر أموالهم ، ومثله يتخذ للاقتناء والتربية ، فآثر به ضيفانه . [ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 27 ] فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 27 ) الحادي عشر : أنه قربه إليهم بنفسه ، ولم يأمر خادمه بذلك . الثاني عشر : أنه قربه إليهم ، ولم يقربهم إليه . وهذا أبلغ في الكرامة . أن تجلس الضيف ثم تقرب الطعام إليه ، وتحمله إلى حضرته ، ولا تضع الطعام في ناحية ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه . الثالث عشر : أنه قال : « ألا تأكلون ؟ » وهذا عرض وتلطف في القول ، وهو أحسن من قوله : كلوا ، أو مدوا أيديكم ونحوها . وهذا مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ولطفه . ولهذا يقولون : بسم اللّه : أو ألا تتصدق ؟ أو ألا تجبر ؟ ونحو ذلك . الرابع عشر : أنه إنما عرض عليهم الأكل لأنه رآهم لا يأكلون ، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل ، بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال لهم « ألا تأكلون ؟ » ولهذا أوجس منهم خيفة ، أي أحسها وأضمرها في نفسه ، ولم يبدها لهم . وهو : الوجه الخامس عشر : فإنهم لما امتنعوا من الأكل لطعامه خاف منهم ، ولم يظهر لهم الخوف منهم . فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا : « لا تخف » وبشروه بالغلام الحليم . فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب ، وما عداها من التكلفات التي هي تخلف وتكلف : إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم . وكفى بهذه الآداب شرفا وفخرا . فصلى اللّه على نبينا وعلى إبراهيم وعلى آلهما ، وعلى سائر النبيين .