ابن قيم الجوزية
484
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ . لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا أي حي القلب . وقوله : « أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ » أي وجه سمعه ، وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له . وهذا هو شرط التأثير بالكلام . وقوله : « وَهُوَ شَهِيدٌ » أي شاهد القلب حاضر ، غير غائب . قال ابن قتيبة : استمع لكتاب اللّه وهو شاهد القلب والفهم ، ليس بغافل ولا ساه . وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثر . وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له ، والنظر فيه وتأمله . فإذا حصل المؤثر ، وهو القرآن ، والمحل القابل ، وهو القلب الحي ، ووجد الشرط ، وهو الإصغاء ، وانتفي المانع ، وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر : حصل الأثر ، وهو الانتفاع بالقرآن والتذكر . فإن قيل : إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه . فما وجه دخول أداة « أو » في قوله « أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ » والموضع موضع واو الجمع ، لا موضع « أو » التي هي لأحد الشيئين ؟ قيل : هذا سؤال جيد . والجواب عنه أن يقال : خرج الكلام بأو باعتبار حال المخاطب المدعو . فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه ، تام الفطرة . فإذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه على صحة القرآن ، وأنه الحق ، وشهد قلبه بما أخبر به القرآن . فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة . وهذا وصف الذين قيل فيهم : 34 : 6 وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وقال في حقهم : 24 : 35 اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ، لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ، نُورٌ عَلى نُورٍ ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ .